.15قصة

رمادي – أمير المقوسي

الجسرة – خاص

 

يهرول متلهفاً الذهاب إليه كي يجلس تحت الحائط على ذلك المقعد الخرساني وحيداً مفسحاً المجال لجلوس طيف ما بجانبه، ويقوم بإشعال لفافة تبغه وينتظر أن يأتيه فنجان قهوته الخزفي الأبيض الذي يشبه ذلك الفنجان الذي كان يحتسي فيه قهوته في زمن فات بينما ذاك الطيف أمامه ويحتسي في حينه شايه الأحمر المفضل لديه، تسرقه لفافة تبغه منه بينما يتصارع هو والريح على من سينال منها قبل الثاني.
بعدها بدأ ينصت في رأسه إلي العديد من الألحان الموسيقية المتشابكة وكأنها أعمال سحر سُليمانية يحاول أن يفك طلاسمها، ملتقطاً طرف لحنٍ يدعوه تارة إلى الإقتراب وأخرى إلى الإبتعاد، وفي غضون ذلك تأخذه الحيرة مع اللحن تجاه جَبَّانَة بعيدة، الأموات فيها يصطفون في طوابير ينتظرون أن يؤذن لهم بدفن انفسهم حيث الحانوتي نفسه يصطف هو الآخر في منتصف طابور ما منهم، دقق النظر فوجد أن كل ميت منهم ملفوف بكفن بلون مخالفاً للشريعة كأنه رمادي، تفرس في الوجوه فإذا هي الأخرى رمادية، تدل على أنهم عاشوا حياة افتقدوا فيها رغد النعيم الدنيوي، حياة على الهامش، حياة بين بين، وكل ميت حتى الرضيع منهم كثيرة هي التجاعيد المنقوشة على وجهه، وكأنها طُرقاً عُبِدت بقسوة، بطريقة بدائية، لا أثر فيها لإستخدام أي وسائل حديثة من التي تُريح الطريق كالتي يراها في أيامه هذه، وجوه لا يظهر عليها أي احساس بالحسرة أو الألم وهي تنتظر الدفن، على العكس تماماً فهي مرحبة به، وراضية، ومستسلمة، وربما فرحة في داخلها رغم جمود تقاسيمها.

وللحظة هبت ريح خريفية خفيفة فأزاحت طرف أكثر من كفنٍ من الأسفل إلى الأعلى، فلمح أن بعضها وجوه فقط معلقة بلا أجساد، والبعض الآخر معلق فوق جسد ينقصه طرف ما من أطرافه، صعقه المشهد ولحظتها تمكن منه طرف اللحن الذي كان يسعى إليه واكتشف أنه لحن جنائزي يقوده مثلهم إلي الدفن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة