.15قصة

لقمة العيش – أسماء راغب نوار

الجسرة – الخاص

وأنا ماشية فوق أحد جسور نهر النيل بعد يوم عمل طويل، وبينما كنت مستغرقة في التفكير أو بالأحرى خاضعة للاستبطان (التأمل الذاتي للحالات الشعورية التي يمر بها الشخص)، والذي يعد جزءًا من فطرتي، باغتني صوت ينادي، فانتبهت لأجدها زميلة سابقة لي، كنت قد عملتُ معها في إحدى الشركات في بداية حياتي المهنية. تبادلنا السلامات والتحيات المفعمة بالمشاعرالطيبة، يتخللها استعادتنا بعض المواقف التي كانت تجمعنا، فإذا بها تخبرني أنها استقالت من الشركة مؤخرًّا وأخذت تحكي لي بشكل شبه مفصل عن قرار استقالتها، وقد تأثرت تأثرًّا بدا عليَّ، فلمسها حتى إنها قالت لي: “أزعجتك ودوشتك وطولت عليكِ”. فرددت: “على الإطلاق! كل ما أتمناه أن أكون خففت عنكِ آلامك بسماعي لكِ”؛ فقد قلت في نفسي عندما طال حديثها: “إنها جديرة بوقتي وأذني ولو لساعة”، فقد أثارت زميلتي بحكاياتها تعاطفي، لدرجة أنستني كل ما يشغلني ويعكر صفوي بمعنى الكلمة.
وقد حكت لي زميلتي إلى أي مدى خضعت لأنماط من الظلم والقهر؛ لرفض الإدارة زيادة راتبها الذي يعادل ما يقرب من رُبع قيمته المُستَحَقَّة عن أداء وظيفتها في سوق العمل كما علمت بعدما استقالت، ومن أنماط الظلم والقهر أن مديرها المنوط به زيادة راتبها كان يقلل من دورها وطبيعة عملها بشتى الطرق، فكانت على الرغم من تأديتها وظيفة فنية، لا يصل الكتاب بدونها إلى القارئ، لا تتقاضى حقها، فكانت تعمل كالجندي المجهول بعيدًا عن الأضواء، ولا تحظى بما تستحق من مقابل مادي يعد قوام حياتها. ومن العجيب أن يقلل العاملون في حقل النشر من قيمة من يقوم حينئذٍ بأداء هذا الدور!
لقد تبين لزميلتي أنه عند ورود زيادات أو مكافآت لكل الموظفين بالشركة، كانت الرءوس الكبيرة إداريًّا تستأثر بها وتتقاسمها، وما كان من تلك الرءوس إلا التقليل من قيمة ما تؤديه هيَ وأمثالها؛ لتهتز ثقتهم بأنفسهم، فيرضوا بأقل مِمَّا يستحقُّون وكذا يبدو الفساد في أوضح صوره، وتنتشر الهزيمة النفسية للجنود المجهولة وتزداد.
أخبرتني زميلتي بأن الإدارة لم تتوقع فكرة الاستقالة منها، ربما لأنها أظهرت لهم نجاحهم في هزيمتها نفسيًّا، وربما لكونها مقتنعة أو شبه مقتنعة بأنها لن تحصل على وظيفة دائمة ومستقرة بسهولة.. لكن حدث أن استقالت وتركت العمل فجأة؛ لأن الكيل قد طفح واحتمالها قد نفد، والآن تلاحقها الإدارة لتسترضيها، لترجع عن استقالتها، لأن “الشغل وقع” كما أخبرها بعض الزملاء، فقلت لها لمَ لا تتفاوضين معهم وتطلبين ما يرضيكِ؟ قالت: “لا يمكن أبدًا.. كفاية أوي عشر سنين!” فسألتها: “ألستِ نادمة على قرارك؟” قالت: “أنا نادمة على استمراري في هذه الشركة كل هذه المدة”.. وأضافت مع نظرة تأملية: “لقد كان إيماني بالله ناقصًا؛ إذ كنت لا أتوكل عليه حق توكله، وكنت أخاف ألا أجد لقمة العيش!”.
لقد تحول حالي يا قارئي العزيز بسماعي ما توصلت إليه زميلتي من خلاصة تجربتها المهنية المريرة، وانقلب شعوري من حزن وأسى إلى فرح وسعادة بها؛ لكونها استخلصت ما استخلصته، وقلت لها: “لقد أصبتِ كبد الحقيقة!”.
وأردفت زميلتي: “ثم إنني أعمل الآن براتب يفوق ثلاثة أمثال راتبي هناك، وساعات عملي تعادل ثلثي ساعات عملي الماضي، وقد واتتني فرصة العمل هذه من حيث لا أحتسب”.
تذكرت بعدما ودعتُ زميلتي مديرًا رأيته بأم عيني يبخس حقوق من يعملون معه بالقطعة؛ بزعم التوفير للشركة والحفاظ على أموالها؛ تلك الشركة التي أطاحت إدارتها به في غمضة عين ولم يبقّ منه في الذاكرة – بالنسبة لي على الأقل- إلا أنه كان يبخس حقوق من يعملون معه.
لقد أصابت زميلتي فيما استخلصته من عبرة؛ لأنها أيقنت حقيقة يجهلها أغلبنا، فأغلبنا يحفلُ ويهتم بالمضمون وينسى المطلوب، فالرزق مضمون والسعي مطلوب، وقد ضمن الله لنا الرزق وهو القائل في الحديث القدسي: “وضمنت لك رزقك فلا تتعب”، والمقصود بالتعب هنا انشغال القلب وحمل الهم، فإذا ضاق بالمرء مكان فليسعَ وراء غيره مِمَّا يكفل له العيش الآمن الذي يحفظ كرامته وحقوقه، ومن خلال سعيه سيتخلص من الشعور بالضعف وقلة الحيلة أو الخضوع للاستخفاف والتقليل من الشأن، بل سيزداد قوة، بها يستطيع مواجهة أي نوع من أنواع الظلم والقهر، وهذا هو المطلوب، كل ذلك مع الإيمان الكامل بأن الرزق مضمون ومكتوب في اللوح مع الأجل.
بقلم: أسماء راغب نوار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة