.15مقالات

حياة الكتب – ممدوح عزام

حين كتب الشاعر الروماني أوفيد “فنّ الهوى”، اعترض طريقَه عددٌ من الكتّاب والفلاسفة المتزمّتين، ثم أمر الإمبراطور أوغسطس بنفيه إلى مدينة على ساحل البحر الأسود، وإحراق جميع نسخ الكتاب، على الرغم من أن الشاعر ألّف كتاباً آخر هو “سلوان الحب” يحاول أن يصحّح فيه التعليمات التي وجّهها للرجال والنساء في ما يخص الحب والهوى.

والطريف أنه لم يكن للكتاب الثاني أي أهمية، ولم تتعلّم البشرية شيئاً منه، بينما تُرجم كتاب “فنّ الهوى” الذي حاربته الثقافة الرسمية في روما إلى معظم لغات العالم ومنها لغتنا العربية التي نقله إليها ثروت عكاشة بهذا العنوان، وصدر في أكثر من طبعة.

من الواضح أنهم لم يستطيعوا التخلّص من الكتاب الممنوع، إذ إن أحداً ما قد احتفظ بنسخ منه وصلت في ما بعد إلى الأجيال التالية، ويقول ثروت عكاشة إن هذا الكتاب الدقيق الحجم والموضوع قد ترك أثراً واضحاً في مختلف فنون العصور (الأوروبية) التالية حتى عصر النهضة.


فشلت دائماً محاولات الأنظمة الحاكمة في ترويج الكتب المناسبة لها

ويُرجّح محمد عابد الجابري أن تكون نكبة ابن رشد على يد المنصور الموحّدي، الذي أمر بنفيه وإحراق كتبه، ناجمة عن السياسة، فابن رشد لم يترجم ويلخص كتاب السياسة لأفلاطون الذي سماه “الضروري في السياسة” وحسب، بل ندّد فيه بالاستبداد تنديداً صريحاً. وقد عرف المنصور أن الكتاب موجّه لمرشّح آخر للخلافة هو شقيقه، وأنه يتضمّن نقداً وتنديداً صريحين بنظامه العسكري المستبد، فلم يعجبه ذلك بالطبع، فقتل أخاه، ونفى الفيلسوف، وأحرق مؤلّفاته.

وتبدو هذه النكبة واحدةً من العلامات البارزة في تاريخ المواجهة بين العقلانية التي مثّلها ابن رشد في تاريخ الفلسفة العربية، وبين الظلامية والطغيان السياسيَّين، خاصة أن الكثيرين من حاشية المنصور قد أوغروا صدره ضد الفيلسوف. ومن الواضح أن المنصور أراد أن يحجر على فكر الفيلسوف بالحجر على شخصه.

غير أن تاريخ الأفكار يثبت دائماً أن إجراءات النفي أو الاعتقال أو الحرق كما في حالة جيوردانو برونو، لا تستطيع أن تمنع أو تحجر على الفكر، فقد بات ابن رشد في ما بعد واحداً من أكثر الفلاسفة العرب شهرة وتأثيراً في الثقافة الإنسانية، خاصة حين أخذت الثقافة الأوروبية كثيراً من علومها الفلسفية عنه.

لكن لمَ تستمر الكتب في الحياة؟ لمَ يُكتَبُ لها البقاء على الرغم من محاولات خصومها تدميرها؟ الشائع أن منع الكتب يغري بقراءتها. غير أن تاريخ الكتاب يقول إن الأمر يستلزم، إذا ما حدث ذلك، أصالة تجديدية ومعاني عميقة تجعله قابلاً لتحدّي الأفكار الرسمية أو التقليدية السائدة في زمنه، وفي الأزمان التالية، وقد فشلت دائماً محاولات الأنظمة الحاكمة في ترويج الكتب المناسبة لها، وعجز الكتّاب الموالون لأي نظام سياسي في خلق تأثير اصطناعي لأنفسهم، فسرعان ما تخبو أسماء أولئك الذين يروَّج لهم في الإعلام إذا كانوا لا يمتلكون قوّة فكرية أصيلة، بينما يُرشّح الزمن كتاباً أُلّف في السنوات التي سبقت الميلاد بقليل للبقاء مقروءاً في ثقافة القرن العشرين الذي تلا هذا الميلاد، وما بعد هذا التاريخ أيضاً.

* المصدر: العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة