.15قصة

    أثقال.. الأرض – محمد الكامل

الجسرة خاص

سألوه عن الزلزال .. فأجاب برأس مثقوب في ظلمة المغيب .. يرنو إلى الفضاء البلوري .. مضطربا .. لا يخلو من تهكم .. حدث دونما سبب يعرف ؟؟ : ((هو لعبة أبدية يرميها الرب كل عشر سنوات في بقاعه المقدسة .. حتى يدخل الجنة .. المصلون ..  أصحاب المسابيح .. ويدخل جهنم السكارى .. أصحاب القوارع ..)) .. علت الدهشة ما ملكت أيمانهم فأخذن بالولولة ثم هتفن بصوت جنائزي .. : (( يا شيخنا .. إنّ أبواب جهنم لن تحتملهم .. فبين أرجلهم أشياء إذا أدخلوها في أثدائنا.. قالوا لنا هذه الجنة .. و إذا انقضوا لساعتهم همسوا..كنا في جهنم ؟ .. غضب الشيخ فتراجع إلى الخلف .. مستعيذا بالله من الشياطين و بقراتهم .. وأقسم بأغلظ الأيمان أن لا مكان له في الأرض .. ابتسم متسوّل ضرير كان بقربه .. ملامحه قاتمة .. شاربه أصفر .. بطنه منتفخ بين يديه  كبلون الهواء .. ردّد في أذنه .. كالثور حين يخور : لا عليك .. إن كنت تريد واحدة فيما ستر .. جئنا بها إليك ثم أخذ يقهقه .. ويقهقه حتى زلت قدماه في حفرة مظلمة .. فصعدت روحه من لحظته .. ترحم الباقون على الفقيد بآيات مجهـولة السور .. إذا مـا شدّوا على ألسنتهم إلى الأعلى .. كانت مكية .. وإذا ما أرخوها إلى الأسفل جاءت مدنية .. أما ما ملكت أيمانهم فتضاحكن فيما بينهن .. تغامزن وقلن : كان رجلا مخنثا يتبول في فراشه كلما رأى أثداءنا

……… و جاء رجل من أقصى المدينة على بعير أشهب أعرج ما تكاد ترتفع يمناه حتى تخر يسراه على الأرض ساجدة ..جاء يقص على الناس ما شاهده بالجبل الشرقي .. كانت أنفاسه لا تعرف لها مخرجا من شفاهه ..فتذهب إلى مكان خفي لتعود مثقلة الخطى معلنة في أسى فاضح : يا سادتي.. يا كرام.. ساعة ما أوشك الفجر على الزوال قبل الأوان انشقت الأرض عن سبع طبقات سميكة ..كل طبقة بملايين العظام المكسورة و كان الناس .. نعم كان الناس .. يتراءون غرقى يصارعون أمواج البحر العاتية .. سمعتهم يصرخون.. يندبون بأظفار من حديد .. أخرجت الأرض أثقالها…. أخرجت الأرض أثقالها….وسكت زمنا مسلوب الإرادة ثم حول بصره إلى الشيخ .. باندهاش عظيم:” هل للأرض أثقال ؟؟ “…. لاح في وجه الشيخ انقباض مخيف .. انكمشت المسامات الطفيلية أسفل أذنه حتى اضمحلت .. شد بكلتا يديه الصغيرتين على إزاره المرقع بعشرين رقعة .. ثم أسرع مهرولا بأقدام حافية إلى الجبل الغربي ليغيب داخل غار أسود .. وقبل أن يذهب استدار متهجما .. قائلا :” سآوي إلى الغار .. عسى ربي ينشر لي من رحمته  و يهيئ لي من أمري مرفقا .. أما أنتم فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام .. ذلك وعد غير مكتوب ” .. و لم ينـس أن ينتصب  أمام بيوت ما ملكت أيمانهم .. المبنية على أنقاض قوالـب حديدية صدئة .. تبعثرت على حافتي الدرب .. راسما علامة محرمة بالشمع الأحمر .. ” بضاعتكم فاسدة .. وسيعافها حتى النمل ” .. و ما تحرك إلا بعد أن سمع لهن  صراخا رهيبا و عويلا مخيفا .. متمتما في حنق قاتل :   ” بقرات إبليس ” .. ثم غاب كأن السماء خطفته في ومضة برق شديد .. اعتبره البعض دجالا و البعض الآخر مختلا .. و الآخرون  ساحرا .. ولا من أحد استطاع أن يستقر على قاموس واحد

….  وانتبهوا ذات ليلة مقمرة على رجل .. كل ردائه   أخضر .. كل كتابه أخضر .. كل زاده أخضر .. انبسطت أساريرهم بعض الشيء … : ” ربما هذا بيده الحل ؟؟” .. فتقدموا بعسر قلق  و سألوه عن الزلزال .. كرروا السؤال حتى أخلدوا إلى الرأي أنه لا مناص من أن يصلبوا هذا الغريب الأخضر .. فمن غير شك هو من يعرف سر الأثقال ..وإن لم يقل .. دفن سره مع جسده .. أسرعوا بإمساكه قبل أن يفر .. تجمهروا أمام ساحة البلدة .. رافعين المناجل و الفؤوس و الحبال : ” اصلبوا هذا الخائن “..” هذا اللعين ” ..” سر شقائنا ” ..” أصل الفتنة  و الفتنة أشد من القتل ” .. الغريب لم يصدر عنه فعل ما سوى أنه اكتفى بذرف الدموع كأمطار غزيرة في  يوم شتائي .. بكاؤه هذا جاء مصابا جللا على الصبايا و اليتامى و عابري السبيل .. أيقظ فيهم ما كان غائبا .. لا  و حق الرب هذا مظلوم .. إذ شبه لكم ؟؟ .. أرادوا فك أسره فوجدوا أمامهم جيشا عظيما لا قدرة لهم عليه .. استسلموا ساعة ثم ثاروا بعدها .. خرجت عقولهم من الثلاجة : الشهادة أنظف من الإهـانة والذل .. الله أمرنا بهذا فأرضه ليس بها مظلوم و هذا الرجل الأخضر مظلوم ؟ فقط شبه لكم ؟! … وهتف هاتف من الجيش العظيم : ” ذكرنا لكم أنّ هذا الرجل أصل الفتنة و الفتنة أشد من القتل و إن لم تكتموا أفواهكم مزقناكم إربا .. إربا .. جهارا .. نهارا “.. منهم من تأفف .. منهم من مد طرفي شفتيه إلى اليمين  و اليسار ساخرا .. ومنهم من عجز عن كظم غيظه ..و سرعان ما احتدم الاصطدام فيما بينهم .. بقوا طويلا في لغوهم .. في جدلهم .. حتى برقت الشمس بأشعة لعينة .. سرت فيهم كهرباء الكبرياء و الفزع في آن واحد لتزيدهم رجفة و ارتعاشا .. أحرقت جلودهم .. اسودت سواعدهم ..ذابوا في بحار من العرق المرسل بلا انقطاع .. وما عاد يسأل حميم عن حميمه ؟ .. هل يشنق ؟ كلا..كلا ؟ .. هل تقطع رأسه بالمنجل ؟ كلا ..كلا ؟ هل تمزق أحشاؤه بالفأس ؟ كلا ..كلا ؟ ..تطاير الشرر من أحداقهم .. فار التنور و علت صرخات الرفض لما يحدث .. الويل لكم .. الويل له .. تشابكت المناجل .. الفؤوس و الحبال .. انتظمت في ســــباق مرير نحو الموت .. حتى قضي الأمر فأصـبحوا كالعصف المأكول

……  و عاد الشيخ من مأواه .. هاله ما رأى فأخذته الصيحة :   ” بعدا لكم ” .. ثم ما لبث أن مال نحو الرجل الأخضـر  و فك رباطه .. سائلا برأس مثقوب في ظلمة المغيب .. يرنو إلى فضاء بلوري ..مضطرب .. لا يخلو من تهكم .. حدث دونما سبب يعرف ؟ …..: ” ما الذي جاء بك؟ ” .. لكن الرجل الأخضر لم يرد و لو بحركة رأس فأوجس الشيخ منه خيفة  و مضى مسرعا عائدا من حيث أتى ..لاعنا الأرض.. وأثقالها …..

ابتسم الرجل الأخضر .. وهمس بحرقة :

” جئت شهيدا عليكم .. من أنفسكم .. جئت   أشهد على أثقالكم كيف تخرجها الأرض …..”

ثم حمل كتابه الأخضر .. وزاده الأخضر .. ثم غاب كأن السماء خطفته .. في ومضة برق شديد …..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق