.15فن تشكيلي

أشباح الكتابة – مزوار الإدريسي

نجرؤ كثيراً على التحدُّث عن الكتابة العالمية بثقة كبيرة في النفس، فنستعرض أسماءَها البارزة، والقضايا الكبرى التي أثارتها، ووقائع من تاريخ شعوب كتّابها. نتوسّل إلى ذلك بالأدب في الأغلب، فتجد منّا على سبيل المثال من يستعرض تاريخ روسيا وأحوال مجتمعها صدوراً عن قراءته لروايات عظمائها مثل دوستويفسكي.

غير أنّ ما يغفل عنه مُعظم القرّاء هو أن وراء الأكمة جهداً كريماً ومتقَناً لوسطاء هم التراجمة (ومنهم مثلاً سامي الدروبي مترجِم دستويفسكي إلى العربية) الذين بتضحياتهم السخيّة يُيسّرون المتعة لعشاق الأدب. لكن الغريب هو عدم التفات هؤلاء القرّاء إلى أن المترجمين، بصفتهم كتّاباً، هم الذين يصنعون الأدب العالمي، وفق ساراماغو، مقابل أجر زهيد، وجحود في الاعتراف بهم.

وإذا كان القارئ قلّما يلتفت إلى ذلك الحضور السرّي للمترجِم، لاكتفائه بالارتماء في أحضان النص ولاستحضاره الشاعرَ أو الروائي أو المسرحي أو غيرهم أثناء القراءة، لأنه ليس بالضرورة مُطالَباً بذلك، طالما أنه يقتني الكتاب المترجَم لاستهلاكه والاستماع به شأن أي بضاعة تعرضها السوق على المستهلك، فإن المفترَض في الناقد أن يَعمل على دراسة عمل المترجِم أيضاً، وأن يُبرز إضافته وطبيعته، ومدى تمكّنه من إعادة كتابة العمل، أو إحسان وفادته في الثقافة المضيفة، ولا سبيل إلى ذلك سوى التقييم الموضوعي، وهو ما لا يقوم به النقّاد عادةً، اللهم إلّا ما كان من أمر الرسائل الجامعية التي تسعى إلى تسليط الضوء على الترجمات.

وخلافاً للقارئ الذي يكون سلبياً في تعامُله مع النص الأدبي، لاكتفائه بالاستمتاع به، أو القبض على مضمونه، يسعى المترجِم باعتباره تحقُّقاً كاملاً للقارئ الأسمى، إلى التركيز على الاهتمام بأنْ يُثبِت حضوره، بتجاوزه استهلاك النص الأدبي إلى إعادة إنتاجه في سياق ثقافي آخر، لأجل ضمان استمراريته في الحياة، ويتجسّد كمالُه بصفته قارئاً مثالياً – حسب ألبرتو مانغويل – في “قدرته على أنْ يُفتِّت نصّاً، وأن يسلخَه، وأن يقطع نُخاعَه، وأن يُتابع كلّ شريان وكُلَّ وريد، وبعد ذلك يُقِيمه كائناً حيّاً آخرَ جديداً“، بحيث يغدو التحقُّق الفعلي للقارئ المنتِج الذي حلم به رولان بارت.

ولا غرو أن المترجِم يحضر في النصوص التي يُترجِم، والتي يُشْرِع بها للقارئ نوافذ على عوالم متعدّدة من ثقافات وفنون، وأنَّ صوته لا يفتأ يتردّد في كل أرجاء النص المترجَم؛ في كلماته وعباراته وأيقونته، بل إنّ اختيار عمل معيَّن لترجمته دليل آخر على موقف معرفي ونقدي، دون أن نسهو عن الاستراتيجية التي يتبنّاها في الترجمة، وخصوصاً المترجِمين الذين يصدرون عن وعي نسوي، والذين لا يتردّدون في إحداث تغييرات جوهرية في النصوص التي ينقلونها إلى قُرّائهم.

والحقّ أنْ لا اهتمامَ يوليه القرّاء والنقّاد والمؤسّسات – في العالَم عموماً وفي بلادنا العربية على الخصوص – بمصير مترجِمي الأدب إلّا نادراً، رغم أنَّ هؤلاء يُغامِرون بحياتهم، في بعض الأحيان، من أجل إمدادهم بالجديد المفيد ولنشر الوعي بينهم، ولأجل ربْطِهم بالعالَم، وقَبل ذلك بالحياة والحركة، فـ”لولا الترجمة – حسب جورج شتاينر – لكُنّا نسكن أقاليمَ تتاخم الصمت”.

الحيف في حق المترجِم له تجلّيات لا تُحصى، وتُجمَل في الأغلب في أنّ عليه واجباتٍ كثيرةً، بينما يُغضّ الطرف عن الحقوق التي يَلْزَم أنْ تُضمَن له أيضاً. ويمكن تبيُّن ذلك في اجتراء من لا دخل لهم في قضايا الترجمة على الإفتاء في أمورها، وتوجيه الانتقاد لممارسيها دون احتراز، فيخوضون في استحالتها وفشلها وموقفها وغيرها من الأمور.

يتحرَّك المترجِمون في فضاء الكتابة، ويعلنون عن حضورهم بمنجَز مادي تجسّده الإصدارات، وبجهد كبير في مواكبة المعرفة والجديد المفيد، لكن تقاليد القراءة وأعراف النشر ومؤسّساته، وفضاء الثقافة عموماً، تأبى إلّا أنْ تجعل منهم، وهم الكتّاب والكاتبات أيضاً، أشباحاً في عالَم الكتابة.

* المصدر: العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق