مسرح موسيقى

«الرسائل… أرض الخوف» عرض مسرحي متوتر يحاكي فيلم داوود عبد السيد

محمد عبد الرحيم

يُعد فيلم «أرض الخوف» للمخرج داوود عبد السيد من أشهر وأعمق أفلام السينما المصرية، لما ناقشه من قضايا وجودية، بخلاف الحكاية وقصتها، التي تبدو للوهلة الأولى حكاية عادية عن ضابط شرطة أصبح تاجرا للمخدرات، بإيعاز من الشرطة وجهات سيادية في الدولة. يصبح (يحيى المنقبادي) ــ قام بالدور أحمد زكي ــ أحد كبار تجار المخدرات، لمعرفة تفاصيل هذه التجارة، وليكون عين الشرطة لديهم. هذه المهمة التي تبدو أكثر صعوبة من الحياة ذاتها، جعلت من يحيى أو (أبو دبورة) في عُرف تجار المخدرات، وأخيرا (آدم) وهو اسمه الحركي عند جهاز الأمن. كانت «الرسائل» هي وسيلة التواصل بين يحيى والجهاز الأمني، الذي كلّفه بالمهمة، التي ستستغرق حياته بالكامل، فلا فرصة لتراجع أو توبة. ومن فكرة الرسائل هذه جاء العرض المسرحي «الرسائل.. أرض الخوف»، الذي قدمته مؤخرا فرقة الرقص المسرحي المصري الحديث، على مسرح الجمهوية في القاهرة. العرض أداء.. عمرو البطريق، عمرو عاطف، باهر أمجد، أحمد محمد، صلاح ملوخية، رشا الوكيل، سماح مبارك، يمنى مسعد، وجاسمين أحمد. ديكور وإضاءة عمرو عبد الله. صوت محمود عبد اللطيف. مناظر أحمد زعفان وأحمد بكر. ملابس هالة محمود. أكسسوار حسام صلاح ومحمد عبد الرؤوف. تصميم وإخراج مناضل عنتر.

فكرة التيه

هل يمكن التحدث بداية عن أي مخدرات تورّط في تجارتها ضابط الشرطة، وكيف أدى به الأمر نهاية إلى السقوط في هذا الـ(تيه) طوال عُمره يرسل الرسائل، ولا أحد يرد، حتى المندوب الذي كلّفه بالمهمة، رحل هو الآخر، وفي الأخير تعود إليه الرسائل مرّة أخرى، بدون أن تُمس، إلا من مدير البوسته، فقط كانت قراءة أخيرة قبل إعدام الرسائل، لتجاوز مدتها القانونية بالمكان. ولكن، يحيى أو آدم البطل، يونس ابنه، هدهد تاجر يعرف زبائنه جيدا ويمتلك حكمة غير معهودة، وفي الأخير موسى قارئ الرسائل المتعاطف، الذي يقولها صراحة «أنا مجرّد رسول.. مشكلتي إنني قريت واتعاطفت». وبين هؤلاء والعديد من التجارب القاسية كالقتل والإغواء، وكل الموبقات في الحياة، يقف يحيى تائها، خائفا مذعورا مختبئا، بدون أن يفقد الحنين إلى هذه الأرض مرّة أخرى. وهنا لابد من التعرّض إلى الأساطير، أو الحكايات الموسومة بالقداسة، حكايات وشخوص يمكن أن نراهم في «أرض الخوف» مجرّد تجار مخدرات، بعضهم يمتلك قدرا من قيم، والآخر لا يرى سوى مصلحته ومصلحة رفاقه. ولكن ماذا عن (آدم) أو (يحيى)، الذي هبط هذه الأرض ليحقق شكلا من أشكال العدالة، لكنه يدرك مؤخرا كم كانت المهمة قدرا أو فخا محكوما.

العرض المسرحي

يُحسب لأصحاب العرض التفكير في موضوع مثل أرض الخوف، ومحاولة تقديمه في شكل آخر مختلف عن كونه فيلما سينمائيا في الأساس. وربما فكرة التيه أو الضياع ومحاولة البحث المضني عن جدوى الحياة، وعن دور كان مرسوما من قبل، لكنه فُقِد خلسة، بدون أن يشعر بذلك صاحبه. ثم كان التركيز على فكرة (الرسائل)، وهي فكرة رومانتيكية بطبعها، الرسائل التي وضحها العرض بعض الشيء من خلال الأداء والموسيقى، بأن تصبح في النهاية رسائل ضلت الطريق ولن تصل إلى السماء. بالطبع لم ينقل العرض الفيلم، وهو أمر يُحسب له أيضا، ولكن.. هل نجح في أن يستوحي الحالة ويعبّر عنها في شكلها الراقص؟ هنا تكمن الأزمة التي واجهها العرض ومخرجه، حيث العديد من الحركات الأدائية مُعادة ــ شاهدنا عدة عروض للفرقة ومخرجها ــ إضافة إلى حالة التيه التي حاول أن يُعبّر عنها العرض فسقط بدوره في حالة من التيه والتطويل في الرقصات، وفي أحد التابلوهات الراقصة يضيع المعنى تماما عن المقصود أو الحكاية، هناك حالة من الإجهاد ومصارعة طواحين الهواء ــ بدون المعنى الفلسفي ــ وبالطبع كعادة المخرج هنالك التداخل ما بين الموسيقى ذات الجو الصوفي ــ وهو كذلك لها ضرورة هنا لما تفرضه الحالة وأجواء الحكاية ــ لكن هناك أيضا موسيقى غريبة عن الحالة والحكاية، فجاءت بعض الرقصات منفصلة تماما عما انتوى أصحابه تقديمه. من ناحية أخرى حاول الراقصون تقديم حالات البطل المختلفة في لوحات متتالية، ولكن لم تكن المقدمة توحي بذلك، حالة التشوّش هذه طالت الأجزاء الأولى من العرض. وإن كانت المباراة في حقيقتها ــ بخلاف السجن والحيرة النفسية للبطل ــ بين ضابطي الشرطة (آدم) و(عمر) صاحب الرسائل الضائعة والعائش لتدميره وإثبات فشله في مهمته، ولا يخفى رمزية الشخصيات وأدوارها كشخصيات لها ثقل ميثولوجي، فقد حاول العرض التواصل أيضا عبر هذه الفكرة، ولكن على استحياء، وفي حالة من التباعد ما بين الشخصيتين، كان يمكن تقديم الأمر في لوحات كابتداء، ثم المعركة بينهما بعد ذلك، لكن ما بينهما جاء باهتا مقارنة باللوحة المفردة لكل منهما! أي أن تقديم الشخصية وصفاتها جاء أكثر حِرفية من لقاء المواجهة بينهما. زد على ذلك تداخل العديد من الشخصيات ودمجها، ويمكن القول إن ذلك يتماشى وطبيعة العرض، ولكن أن تتوه الشخصيات ولا ندري مَن هذا وما الذي يفعله؟
احتفظ العرض برؤية (عبد السيد) بالنسبة للمرأة، مجرّد أداة للمتعة، أو موسومة دوما بوصمة التقاليد والأعراف الاجتماعية، وقد جمَع في لوحة من اللوحات أحد الراقين وثلاث نساء من اللواتي قُدّر لـ (يحيى) أن يلتقيهن.
ورغم الاستعانة بصوت (أحمد زكي) بمقاطع صوتية من الفيلم نفسه، إلا أن المقطعين لم يحققا الحالة المرجوّة، فكأن الاستعانة بهما ــ رغم رداءة التسجيل الصوتي ــ لم يكن لهما محل من إعراب. وفي الأخير.. ماذا لو لم يستند العنوان إلى «أرض الخوف»؟ ربما استوحى المخرج الفكرة أو الحالة من الفيلم، ولكن أن يأتي العرض لا علاقة له بالفيلم أو حكايته بمعنى أدق، فهو أمر صعب.

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق