متابعات ثقافية و فنية

“بريد” هدى بركات الليلي .. يضيع في عتمة الغياب!

بديعة زيدان

في عالم “الثورات التي تحولت حروباً أهلية”، تبرز خمس رسائل لا ينتظر مرسلوها ردوداً عليها، وكأنهم على يقين بأنها لن تصل، أو هكذا أوحت لنا الروائية اللبنانية هدى بركات في جديدها “بريد الليل”، الصادرة عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، وتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2019، بوصولها، مؤخراً، إلى القائمة القصيرة للجائزة، وفق ما جاء في “إعلان القدس”.

ورغم محاولة بركات هنا، الخروج بتقنية ربما اعتبرها مغايرة في صياغة نص سردي، لا أدري إن كان يصلح لتسميته بـ”الرواية”، فغياب الخيط الدرامي الرابط ما بين هذه الأصوات المستقلة، ودون الاتكاء على خيال علمي ما أو فتنازيا قد تبرر هذا الغياب، حيث لا تشابكات، ولا تقاطعات، ولا تفاعلات بين أصحاب الرسائل، هو ما دفعني للتساؤل ما إذا كان هذا النص المتقطع كأصحابه يمكن تصنيفه في خانة “الرواية”، وما إذا كانت صاحبته مضطرة إلى ذلك أيضاً، فالرسائل، برأيي، كان من الممكن أن تشكل أرضية لرواية مكتملة العناصر، وإن كنت من أنصار التجريب.

ويبدو أن بركات في “بريد الليل” عملت بنصيحة كولن ويلسون إلى طلابه من الروائيين المنتظرين بأن “يكتبوا عن شيء ما يعرفونه”، لتبرز حينها “الاعترافات” و”بعض الفترات التي مرّت بحياتهم”، فالرواية كما يراها “محاولة الكاتب لإحداث صورة ذاتية واضحة”، ولا أدري إن كانت الكاتبة هنا أسقطت لاوعيها في نصوص الرسائل التي شكلت بمجموعها هذا النص السردي الجميل، الذي انتهى به المطاف إلى تسميته بـ”الرواية”.

ثم إنه، وحسب ويلسون أيضاً، فإن “الرواية الناجحة هي تلك التي تبني التوتر ثم تسمح له بالانطلاق كالرعد”، وبركات في “بريد الليل”، تمكنت باقتدار في بناء سلسلة من التوترات، لكنها حاصرتها في دائرة ضيقة، برأيي، حالت دون انطلاقها.

وبالعودة إلى تفاصيل “بريد الليل”، فإنه على الرغم من أن لا علاقات مباشرة بين الكتاب الخمسة ذكوراً وإناثاً وما بين رسائلهم، إلا أن ما يجمعهم، علاوة على “حاضنة” ساعي البريد، في زمن لا أدري إن كان لا يزال لساعي البريد متسع له فيه، هو تكوّر الألم كحويصلات في دواخلهم، هم المُهجّرون أو الفارّون من بلدانهم العربية غير المحددة، جراء الحروب، والعنف المتزايد، والقتل الذي يملأ الطرقات ويخترق الأنوف مع الهواء الأحمر، وقهر الغيابات التي ظلت ترافقهم، فسالت حبراً على أوراق سلمها الواحد فيهم إلى الآخر، دون قصد، وبمصادفات هي جزء من بناء “بريد الليل”، حيث غياب الشعور بالأمان، وبعاطفة الأمومة والأبوّة، والمأوى، والعدالة، وقبل كل ذلك الوطن، فباتوا خارج الزمان والمكان والذاكرة أيضاً.

ولهذا يتجه هؤلاء إلى التعبير عن حالة الغياب والقهر التي تغلغلت في أعماق الوعي واللاوعي لديهم، بالبوح عبر رسائل فيها من الاعترافات الكثير. اعترافات لمن فقدوا حتى أسماءهم. اعترافات ربما لم يكونوا قادرين على إطلاقها ما قبل رحلة الغياب مجهولة الهدف والمقصد، أي في بلدانهم، كما في رسالة الأخت إلى “أخيها الحبيب” المسجون، والتي تحدثه فيها عن مبررات سرقتها لوالدتهما، وميراثهما، وبيع منزل العائلة، كرد فعل على قسوة الأم تجاهها وتجاه ابنتها في مرحلة ما بعد طلاقها، قبل أن تسرد شيئاً من يومياتها مومساً وقبلها خادمة، لتلبية متطلبات الجدة كي تستمر في رعاية حفيدتها.

وكانت الصدف السردية هنا، تشكل حافزاً لمن يعثر على رسالة من سبقه، بعد أن يسرد جزءاً منها، لكتابة ما يعبر عن شيء، ولو يسير، مما يعتصره من ألم يكاد يفتك به، أو فتك فيه فعلاً، كرسالة العاشق المضطرب إلى معشوقته، مسترجعاً، وكأنه على كرسي الاعتراف، أو ربما في محاولة للتبرير، تعاطيه المرتبك مع تفاصيل علاقتهما، فيحدثها عن ذكرياتهما سوياً، وعن أمه التي قذفته إلى القطار طفلاً تحت ذريعة إكماله لتعليمه، حتى انقطع حبل التواصل ما بينه وبين العائلة، إلى حين أخبره أشقاؤه بنبأ وفاة الأم .. “كانت تعنى بالدجاجة المريضة، تحملها النهار بطوله كي تبعدها عن نقرات الديوك. تطعهما الحبّة بيدها، ولا تتركها إلا بعد أن تتعافى. تصلّي للنعجة التي تتعسّر ولادتها، تبقى قربها تمسّد على رقبتها، تغني لها، ثم تزغرد حين ترى الحمل يتحرك في مشيمتها. وكانت تبكي حزناً لسماعها ثغاء الحملان المفطومة عن حليب أمها … إلا أنا. أياماً عديدة لم تكن تلتفت ناحيتي. كانت تدلق المياه الساخنة على رأسي، وتصرخ فيّ إن اشتكيت. أنا، لم يكن لي أي فائدة، لا بيض ولا حليب ولا لحم. كنت مجرد بطن فاغر فاه. ثمّ أبعدتني إلى مكان هي لا تعرف عنه شيئاً …”.

أو كرسالة تلك التي تجاوزت الخمسين، وقررت أن تكتب لمعشوقها في صباها، هو الذي يعيش في كندا حياة أسرية مستقرة، مستعيدة ذكرياتها معه، غير متجاهلة حالة الرعب التي كانت تتملكها جراء عبور قطار الزمن فيها وعليها، وما خلفه من تجاعيد كانت تفضحها المرآة. أو كرسالة القاتل المدمن لأمه، الذي قرر الكتابة لها بعد استشعاره بدنوّ اعتقاله، تحدث فيها عن شدة التعذيب الذي تعرض له في السجون حد الاغتصاب، ما جعله يتحول بالتواطؤ مع سجّانيه إلى جلاد يمارس أقسى صنوف التعذيب على المساجين، الذين كان هو أحدهم، موجهاً لها أكثر من مجرد عتاب على عدم تدخلها في الدفاع عنه في مواجهة عنف والده، حتى تأتي لحظة الفوضى في البلاد، واقتحام “الملحدين والأوباش” للسجون، فيفرّ كما الآخرين إلى حيث تؤويه مسنّة أجنبية في منزل الغربة، قبل أن يقتلها ويفرّ مجدداً، ويبدأ في تسطير رسالته التي يعصرها ويرميها قبيل اعتقاله، فتعثر عليها صاحبة الرسالة التالية، وهي الأخت سابقة الذكر.

وتتواصل الرسائل، إلى أن تحط الأوراق نفسها بين يديّ شاب مثلي الجنس يقرر مراسلة والده المقاتل في جيش غير معلوم. والده الذي عنفه جسدياً ونفسياً بشكل كبير، لارتباطه بعشيق من ذات جنسه، هما اللذان يهاجران سوياً، ومن ثم يموت الثاني بمرض، تاركاً إياه مشرداً بلا مأوى، ومريضاً، وأعور العين.

وفي المطار، تحدث حالة من تبادل الأدوار، حيث الحديث هنا لمعشوقة المهاجر المضطرب، والحبيب الوسيم الذي بات كهلاً في كندا ينتظر قدوم من ترعبها التجاعيد، والشقيق الذي يبحث عن شقيقته المومس بعد أن قضى فترة محكوميته، واستدان ثمن تذكرة السفر، لينتظرها كغيره في هذه المساحة المسماة “المطار”.

وفي الخاتمة، حيث “موت البوسطجي”، التائه، الذي لا يعرف ماذا يفعل بهذه الرسائل التي غابت عناوين أصحابها، حيث غيّرت “داعش” تكوين الجغرافيا والزمن، ما جعله رهين هواجس واقعية بقرب التقائه بموت يبدو محققاً، أو شبه محقق، الأمر الذي خلق لديه حالة من الفراغ المركب دفعه لقراءة الرسائل، وتصنيفها، وفهرستها، علّ الأمور تعود إلى سابق عهدها، ويقوم من ربما يأتي أو لا يأتي بعده، بإيصالها إلى أصحابها المفترضين.. رسائل قد تكون ضلت طريقها قبل غيابه، أو بعده.

الأيام الفلسطينية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق