دراسات

المغربية سعيدة تاقي… فعل الكتابة لا ينفصل عن الوجود الشعري

محمد الديهاجي

سعيدة تاقي .. شاعرة وروائية وناقدة مغربية، تكتب من داخل مشروع حداثي أصيل. تحقيبيا تنتمي تاقي إلى الحساسية الجديدة. ولعل إيمانها بقدراتها جعلها تصمم مشروعها الأدبي وفق ما انتهت إليه من أبحاث معمقة، ولا غرابة في ذلك فهي الباحثة والأكاديمية في مجال تحليل الخطاب. إضافة إلى نشرها العديد من النصوص الشعرية إلكترونيا، وفي الصحف والدوريات المغربية والعربية. صدرت لها رواية بعنوان (إيلاف «هم») عن دار النايا للدراسات والنشر، وبعدها رواية «إني وضعتها أنثى» عام 2015. وفي مجال النقد صدر لها كتاب «تحولات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث- دراسة نقدية». لها قيد الطبع مجموعة شعرية بعنوان «للربيع فصول أخرى»، وأخرى موسومة بـ «مسقط قلب». سبق لسعيدة تاقي أن فازت سنة 2013 في الدورة الثالثة من جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي بالجائزة الثالثة عن فرع النقد، كما أنها كرّمت من قبل مؤسسة «المثقف» (سيدني ـ أستراليا) 2014 عن منجزها الإبداعي والشعري بدرع المثقف للثقافة والفن والأدب. فكان معها هذا الحوار ..

■ كيف تنظرين للكتابة الشعرية كأفق في مشروعك الشعري؟
□ فعل الكتابة في الشعر لا ينفصل عن فعل الوجود الشعري، فالكتابة ليست مجرد تمرين تدخله الشاعرة أو الشاعر عن وعي وترصُّد. فيكونَ بإمكانهما أن يتزوّدا، أثناء إنجاز التمرين، بمزاج ومعجم وطقس تصوير. الكتابة الشعرية هي حلول في قصيدة واحدة، في لحظة واحدة، في نَفَس واحد. الأمر أشبه بالإشراق الصوفي؛ لا تفيده الإشارات إلا بقدر ما تسَعُه عيون القلب. الكتابة الشعرية وهي تخطُّ فرادة الصوت الشعري بعد النضج، تغدو أكثر صفاء وأكثر شفافية، وهي لذلك أكثر تعقيدا وقد تكون أكثر وجعاً. فهي لا تتحدّث باسمها في لحظة الإبداع التي لا تتكرَّر، وإنما تتحدث باسم الوجود الشعري الذي يسْمُو بواسطتها، وهو يتجاوزها. فليس مجدياً ـ حين النضج ـ ما قد تستطيعُه الصور من احتمالات للمعنى، أو ما قد يحتضنُه الإدراك من قدرة على الكشف أو على الخَـلْـق. لأن تلك التجربة الشعرية ستلِج بلا شك حلقة الاجترار المغلَقة، وستكرٍّر ذاتها عند كل ابتداع، بدون تجديد وبدون أصالة. المشـروع الشعـري وهو يرسم أفق الكتابة الشعـرية التي يرتضيها، لا يكف عن ممارسة الشّـك واللَّعب والتجريب والاستكشاف، بوصف تلك الممارسات مانِعَ الشغب الشعري عن الركون إلى يقـيـن المنجَز، وبوصف تلك الممارسات حافزَ التجربة الشعرية لارتياد المغامرة والحُلْم.
■ في المشهد الشعري اليوم رواج مؤكد، بغض النظر عن قيمة ما يكتب فنيا. ما تقييمك لمشهد كهذا؟
□ يمكن أن أنطلق في تشييد تقييمي الخاص من زاويتين مفتَرَضتين مختلفتين ومتعارضتين، من وجهة نظر أُولى تدَّعي الحياد إبداعياً، وتكتفي بممارسة القراءة بعيداً عن تزكيات المؤسسات وبدون تشذيب أو اختيار مسبَق، يمكن للمتابعة وللبحث في جديد الأصوات الشعرية، أن يكون مباغـتاً بمشاعر متباينة، تتراوح بين أمداء الاندهـاش والانـبهار والانتشاء، إلى حدود الملل والخيبة والنفور، مرورا بالتأكيد بمعالم شعرية تجترح الخلْق والإذهال أو التكرار والتصنيع أو تتأرجح بألفة واعتياد بين الإيقاعين. يمكن وفق هذا المنظور، القول بهدوء إن الرَّواج سُـنّة الطبيعة، والتراكم كان دوماً سبيلاً لإحقاق الجودة ولبروز الأجود ولتكريم الأفضل.

ومن وجهة نظر ثانية لا تنزع عنها لبوس الإبداع، وتلتزم رؤاه من داخل كل قراءة لـ «المشـهد الشعري» بانتقاء ووعي، أستغرب الاستسهال الذي يتم ابتداعه من داخل المـؤسسات الرسمية أو الراعية أو المتخصصة، ومن خارجها كذلك، لتوصيف شاعرة أو شاعر، ولتصنيف أي وشْي على الورق تتلاحق أسطره عموديا، بدون استرسال أفقي بـ «الشـعـر». يمكن وفق هذا المنظور، القول بقلق لا يستكين إلى سحر مقاومة الهامش لمنابر المركز: الشـعـر ليس تراكم سطوح مجـازات ورقية، بدون عمق أو استشراف أو تصور. ففي ظل إمكانات العرض المفتوحة بشكل متحرِّر من كل ضبط أو رقابة، وفي ظل شروطٍ للطلب مجهولة، لا تخضع للتصنيف أو للدراسة أو للموضوعية .. لا يعني نشر مجموعة شعرية بالضرورة، أنها قد قُرئت فعلاً، ولا يعني بيع ديوان أو إهداءه أنه قد غادر رف المكتبة لتتسخ حروف أوراقه بفضل الأيادي الكثيرة التي تداولتها. مثلما لا تفيد سلسلة القراءات النقدية المنجَـزة حول المجموعة الشعرية أو حول الديوان، أنَّ ضوابط الطلب/التلقي خالصة لمحبة الشعر.
■ ما يميز هذا المشهد اليوم هو التعدد والاختلاف، بمبرر اختلاف الحساسيات. فما هي أبعاد ودلالات هذا المفهوم (الحساسية) عندك؟
□ يميل الكون الشعري الموسوم بالتعددية والاختلاف، في كل مرحلة شعرية، إلى فرز التجارب التي تـنـتـظمها رؤى شعـريـة مـتـقاربـة. قد يوصف ذلك بـ»الحـساسـية» أو بالاتجـاه أو المـدرسـة أو النـمط أو التجـربة أو بمسميات أخرى، حسب الخلـفيات المصنّـفة والمرجعيات النـاقـدة والاشتراطات الزمنية والمكانية المعتَمَدة. هذا لا يحيل بالضرورة على لحظتنا الراهنة، فكل لحظة ـ أفقياً ـ هي الراهن في مرآتها الإبداعية المرحلية، لكن هذا لا ينفي أن مصطلح «الحساسية» هو المتداول حالياً، في اللغة النقدية المواكبة لجديد التجارب الشعرية الراهنة. قد لا يكون مجدياً، في هذا السياق، بالبحث في الحراك الشعري الذي اختير له من بين المصطلحات لفظ «الحساسية»، ومقاربة التسمية والتوصيف. لأننا حين ذلك سنعيد النظر في مدى ملاءمة التوصيف للمتحقِّق إبداعياً، ومدى قدرة الدال على استيفاء المدلول طاقات التصوُّر والمَـفْـهمات المحايثة. لكن لا يخفى أن إطلاق توصيف «الحسـاسـية» هو رد فعلٍ احـتـرازي، يتجنّب الخـوض في تعـدّد المنجَزات الشعرية، وفي اختلاف الأنساق الناظمة لتجاربها، وفي امتناع الجمع بينها ضمن زمرة أو مجرَّة واحدة. إن التزامن أو التقارب المرحلي زمنياً بين الأطياف المشكِّلة لما ينعت بوحْدة «الحساسيات»، لا يسعفُ فعلاً في إنقاذ النقد من الورطـات التي تَـكِـيلها للتنوع، تلك الوحدة المُوهِمة.
■ وفي أي حساسية يمكن إدراج تجربتك الشعرية؟
□ للقارئ كلمته حين يمتلك بالقراءة زمام التوصيف. وللنقد حقوقه الكاملة في التصنيف والتسمية. ولي أن أواصل شغبي الشعري بكامل الإدراك وبوافِر الحُلم.

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

free instagram followers instagram takipçi hilesi

إغلاق