مقالات

الموسيقى الجديدة أو كيف تصير نجما في 24 ساعة 28 – ديسمبر – 2018

سعيد خطيبي

على الشاشة، أشاهد شاباً، في أواسط العشرينيات، بلحية خفيفة، وشعر تتدلى منه خصلات أمامية، مصبوغة بالأصفر. يتحدث كما لو أنه نجم، ويقول إن العائلات والجماهير دائماً ما تُطالب بحضوره في مهرجانات الصيف، لكنه يعتذر ويفضل بدلها الغناء في فرنسا وإيطاليا، التي تدفع له أفضل. المُذيع يسأله عن علاقته ببعض المخضرمين، من مغنين سبقوه في التجربة، والشاب يردد بتأفف، بأنه في خصام معهم. أتعاطف معه، للحظة، وأشعر كما لو أنه تعرض لظلم، بسبب حداثة سنه. يلتحق مذيع آخر، بالبلاتوه، ويصير الحوار بين مذيعين، ومغنٍ شاب، لم يسبق أن سمعت باسمه، ولا أعرف ماذا يغني. هل هو تقصير مني؟ يواصل الكلام، والرد على الأسئلة، وهو يعقد ذراعيه، ويحرك بصره، كما لو أنه منزعج من أمر ما، أو يستعجل المذيعين إنهاء الحوار. يلتقط قنينة ماء، كانت أمامه، ويقطع المذيع الحوار، بفاصل إعلاني، استغله للبحث عن اسم المغني في يوتيوب. لأجد أن له أربعة فيديوهات، صدرت كلها هذا العام، صوت أقرب لنشاز وتلحين من آلة واحدة، مع كلمات عن الهجرة السرية، ومُحاكاة للأغنية الإيطالية الثورية «بيلا تشاو»، وأرقام مشاهدتها خيالية، أقلها رواجاً، يتجاوز عتبة 300 ألف مشاهدة على الشاشة، أشاهد شاباً، في أواسط العشرينيات، بلحية خفيفة، وشعر تتدلى منه خصلات أمامية، مصبوغة بالأصفر. يتحدث كما لو أنه نجم، ويقول إن العائلات والجماهير دائماً ما تُطالب بحضوره في مهرجانات الصيف، لكنه يعتذر ويفضل بدلها الغناء في فرنسا وإيطاليا، التي تدفع له أفضل. المُذيع يسأله عن علاقته ببعض المخضرمين، من مغنين سبقوه في التجربة، والشاب يردد بتأفف، بأنه في خصام معهم. أتعاطف معه، للحظة، وأشعر كما لو أنه تعرض لظلم، بسبب حداثة سنه. يلتحق مذيع آخر، بالبلاتوه، ويصير الحوار بين مذيعين، ومغنٍ شاب، لم يسبق أن سمعت باسمه، ولا أعرف ماذا يغني. هل هو تقصير مني؟ يواصل الكلام، والرد على الأسئلة، وهو يعقد ذراعيه، ويحرك بصره، كما لو أنه منزعج من أمر ما، أو يستعجل المذيعين إنهاء الحوار. يلتقط قنينة ماء، كانت أمامه، ويقطع المذيع الحوار، بفاصل إعلاني، استغله للبحث عن اسم المغني في يوتيوب. لأجد أن له أربعة فيديوهات، صدرت كلها هذا العام، صوت أقرب لنشاز وتلحين من آلة واحدة، مع كلمات عن الهجرة السرية، ومُحاكاة للأغنية الإيطالية الثورية «بيلا تشاو»، وأرقام مشاهدتها خيالية، أقلها رواجاً، يتجاوز عتبة 300 ألف مشاهدة

رغم أنني أتابع، بانتظام، ما يحدث، في الإنترنت، وأشاهد أكثر الفيديوهات رواجاً، لكنني أجد نفسي، مثل آخرين، غير قادر، على استيعاب كل شيء. الأمور تسير، بسرعة فائقة، لا نكاد نمسك بنجم جديد حتى يخرج آخر. لكن من هؤلاء النجوم الجدد؟ هم لم يخرجوا من معاهد الموسيقى، كما كان عليه الحال، في السابق، لم يمروا على المراحل التقليدية، ولم يتدرجوا في الإذاعة والتلفزيون، بل انتقلوا مباشرة من غرفة تسجيل ـ بعضهم يسجلون في بيوتهم وليس في أستديوهات ـ إلى اليوتيوب، ووجدوا هناك جمهوراً يشعر بالملل ويبحث، في كل مرة عن الجديد وعن التغيير، التقطهم من ظلمتهم وحولهم إلى مغنيين مرئيين، من دون الحرص على كفاءتهم الفنية، ومن دون نقد ولا تعليق، هكذا انقلبت مُعادلة صنع النجوم، لم يعد من يبتغي الشهرة، يكون نفسه، ولا يحتك بمن هم أكثر منه في الخبرة، بل يتكل على وسائط اجتماعية، على مستخدمين غالبيتهم من المراهقين. صار الجمهور يصنع النجوم، وليس يعني النجم أن يبحث عن جمهور له.
في السنوات العشر الماضية، باتت الصناعة الموسيقية، حكراً على بعض المنصات الإلكترونية، وإن كان يحسب عليها تمييع المشهد، وخلق نجوم من كرتون، لا ننفي فضلها، في دفع سوق الموسيقى، الذي لولاها لكان في مرتبة سفلى في تداولاته، وفي أرقام أعماله. انسحبت شركات الإنتاج التقليدية، وتركت الباب موارباً للمواقع الجديدة، التي نابت عنها، في صنع الموسيقى والترويج لها، في توفير جمهور مهيأ لها. في السابق، كان المغني يقضي سنوات، ليحقق أول نجاح له، قد يستنزف ألبوماً أو اثنين، قبل أن يسمع عنه الناس، واليوم بإمكان أي مغنٍ شاب أن يحقق أكثر من نجاح واحد، في العام نفسه، ويحدثك عن دعوات له في حفلات ومهرجانات أخرى، والنجاح هنا لا يُقاس بحجم بث الأغنية في المحطات التلفزيونية أو الإذاعية، بل يحسب من عدد النقرات واللايكات، فالنجاح لا يتحكم فيه سوق معروف، بل تتحكم فيه لوغاريتمات وقواعد إحصائية، والناس بطبعهم ينجذبون نحو أي فيديو، يلاحظون أنه حظي بنسبة مشاهدة عالية، حتى إن كان الفيديو نشازاً ويسيء للسمع، فلا يهمهم ذلك. هؤلاء الشباب الصاعدون صاروا يتفوقون بسهولة على أجيال سابقة، يتجاوزون في وقت وجيز ما كانت تعجز عنه الشيخة الريميتي أو سعاد ماسي أو الشاب خالد أو الشاب حسني. أرضهم افتراضية وجمهورهم حقيقي، أداؤهم استعجالي ونتائجه سريعة، تعبهم قليل، ويجنون منه اليورو والدينار، ولا ينافسهم سوى من كان «أخبث» منهم، في استخدام الوسائل الجديدة.
في هذه الفوضى الفنية الحاصلة، هناك نقاط ضوء، فالمشهد ليس كله معتم. فالانتقال من الأسطوانات أو الأشرطة السمعية، إلى القارئ الإلكتروني، ثم المنصات الإلكترونية، ساعد في تحريك سوق الموسيقى أولاً، وثانيا، في تحقيق ثورة غير مكتملة في التوصل بأحدث التسجيلات، والتي كان يصعب بلوغها في ما مضى، فقد كان يقضي المهتم أشهراً أو سنوات، قبل الاستماع لأحداث إنتاجات مغنٍ ما، واليوم بات الأمر متاحاً، ويمكن لمن يقيم، في الجزائر، أن يسمع آخر ما صدر في أمريكا أو فرنسا أو الهند.

إذن، النجاح لم يعد مرتبطاً، كما في السابق، بأرقام المبيعات، بل بأعداد المُتابعين واللايكات، وحين يقول ذلك الشاب، ذو اللحية الخفيفة، على التلفزيون، إن العائلات والجماهير تود حضوره، وإن متعهدي الحفلات في أوروبا يتصلون به، فهو يعلم أن ذلك لم يكن ليحصل لولا عدد المتابعين ومشاهدي الفيديوهات التي يبثها، على الإنترنت، بل إن متعهدي الحفلات باتوا يحسبون خطواتهم، لا يستضيفون مغنياً، مهما كان جاداً، ما لم يكن له متابعون، على الإنترنت، هكذا ومرة أخرى، حضور الحفلات والمهرجانات، والغناء في المناسبات الجماهيرية، يستدعي نجاحا آخر، هو الاستثمار في مُراهقين، يقضون وقتهم أمام الفيسبوك وأنستغرام وسناب شات، ويوزعون الإعجاب، بالمجان، وبحسب المزاج. ولكي يضمن مغنٍ متابـــعة جــيد له، وانتشاراً فهو يضطر لنشر مستمر لأغنيات وفيديوهات، لأنه عالم متحول سريع، في هيجان دائم، وكلما تأخر في الظـــهور، ســــيأتي آخر ينوب عنه، وسينساه الجمهور، ويجد نفسه مضطراً لإعادة بذل جهد من الصفر. هكذا التقييم يقوم على الكمية لا النوعية.
هذا العالم الجديد، حيث تتحول الموسيقى إلى الاستهلاك، مثل سندويتشات ماكدونالدز، هو عالم من الاحتيال أيضاً، فليس من الصعوبة، تضخيم أرقام المشاهدات، على أي منصة متاحة، هذا الأمر يُشبه تعاطي المنشطات، عند الرياضيين، بحسب تعبير واحد من المختصين، وكلما زادت أعداد المشاهدات زادت العوائد، وقد حصلت قصة مُشابهة، في الجزائر، قبل أسابيع، حين قام شاب، بدعوة متابعيه، إلى عيد ميلاده، في مكان عام، على سناب شات، فوجد بضعة آلاف شخص، مما عجل بتدخل الشرطة، تخوفاً من انزلاقات، وأطلق شائعة تقول إن الرقم وصل عشرة آلاف، مما حث وزير الثقافة، للقفز على الغنيمة، والتقاط صورة مع ذلك الشاب، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعوته للمشاركة في فيلم سينمائي، لم يبدأ تصويره بعد. هكذا يصنع الشباب نجوميتهم، في الظل، ويسطو عليها سياسيون.
وبينما كنت أكتب هذه الأسطر، عاد ذلك الشاب المغني، للظهور، بعد نهاية الومضات الإعلانية، وقال إنه هو من يكتب ويلحن أغانيه ولا يثق في أحد، وإنه محل حسد الجميع، لأنه تفوق عليهم. لكنه، في الأخير، اعتذر عن الغناء، على الهواء مباشرة، ربما كي لا يظهر عارياً بصوته الحقيقي، من دون تعديلات!

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق