مقالات

بردة فيصل الأول ومزماره المكسور: فصول في رحلة أمير عربي من مكة إلى بغداد

محمد تركي الربيعو

في وقت متأخر من صباح 16 ديسمبر/كانون الأول 1915، كان السير مارك سايكس يحثُّ الخطى في أحد شوارع لندن لحضور اجتماع حكومي بريطاني. عند وصوله، عُرِّف به بوصفه خبيراً في شؤون العالم الإسلامي العثماني. جاءت سمعته في هذا المجال بعد أن وضع عدداً من الكتب حول هذه المنطقة، كان آخرها كتاب بعنوان «ميراث الخلفاء الأخير» الذي خصّص الجزء الأول منه للحديث عن ظهور الإسلام كقوة سياسية، أما باقي الفصول فقد شملت رحلاته داخل هذا العالم، التي بدأت منذ طفولته حين زار مصر برفقة أبويه، قبل أن ينفصلا. وقد جعلته هذه المعرفة بالشرق شخصاً لا يقبل أي رأي بريطاني آخر حول هذا المكان، ولذلك عندما التقى الضابطة والرحالة البريطانية غيرترود بيل في القدس، لم يرها سوى «امرأة ثرثارة تتفوه بغرور بصدرها المسطح وردفيها النقالتين التي ليست برجل ولا امرأة». في تصويره للعثمانيين، غالباً ما نظر لهم بوصفهم محتضرين، ففي حلب مثلاً «الوسخ والأمراض منتشرة في أسواقها المكتظة والمتهدمة».
كانت بريطانيا مع بداية حرب عام 1914 قد انضمت بقواتها إلى قوات منافسيها السابقين، فرنسا وروسيا، لمحاربة الألمان وحلفائهم. وعندما فكرت هذه الدول بتقسيم نفوذها في الولايات العثمانية، نظرت لسوريا بوصفها «بضع هكتارات غير مزروعة» وفق تعبير أحد دبلوماسييها. وفي هذه الأثناء كان الفرنسيون، كما ينقل جيمس بار في كتابه «خط في الرمال»، يرون في سوريا «مكاناً مفيداً للينابيع الحرارية وصولاً إلى العطور المستخرجة من زيوت الأزهار». فقد اعتقدوا أن خصوبة الأمة الفرنسية ستعود في حال أعادوا اكتشاف قنوات الري الرومانية القديمة. ولهذه الغاية أرسلت مندوباً عنها للقاء سايكس. مندوباً أشقر؛ طويل القامة؛ حاد الطباع؛ عُرِف عنه كرهه للبريطانيين ويدعى فرانسوا جورج بيكو. بيد أنه، خلافاً لنظيره البريطاني، كان مدركاً تماماً للخطر الذي تمثّله النزعة القومية العربية على مطامعه الإمبريالية، لذلك عمل على إفساح المجال لعقد اتفاقية حول تقاسم النفوذ في المنطقة، التي ستُعرف لاحقاً باتفاقية سايكس بيكو.

ثورة في مكة

بعيداً عن شوارع لندن وباريس التي التقى فيها الأخيران، كان شاب بريطاني، أحيمر الوجه، قصير القامة، يعيش ويشارك في ثورة الشريف حسين في مكة، التي اندلعت في يونيو/حزيران 1916. وكما يشير المؤرخ البريطاني جيمس بار، كان هذا الشاب الصغير يختلف تماماً في توجهاته ورؤيته للعالم العربي العثماني عن رؤية مواطنه سايكس. فقد سافر للمرة الأولى بمفرده لهذا العالم لإجراء بحث أولي عن القلاع الصليبية في بلاد الشام، عندما كان طالباً في جامعة أكسفورد؛ شارك لاحقاً في حملة للحفريات الأثرية في شرق سوريا، ما أتاح له تعلّم العربية. كان جيش الحسين يتكون من رجال بدو يرتدون جلابيب صوفية، ويزينون أعينهم بالكحل. وخلافاً لأصدقائه البريطانيين، لبس لورنس هدية فيصل (عباءة بيضاء) وانطلق على ظهر الجمال برفقة جيش الدراويش، كما كان يصفهم. لم يحب الحسين كثيراً، فقد كان رجلاً طاعناً في السن، ولذلك توجب عليه أن يختار بعد طلب من وزارة الخارجية أحد أولاده مرشحا وقائدا لهذه الثورة. كانت علاقته بعبد الله سيئة، فهو كما يصفه «يتصف بالدهاء أكثر منه ببعد النظر» في حين كان وجه فيصل نحيلاً وملكياً بصورة لافتة، كان في سلوكياته أقرب لصورة ريتشارد قلب الأسد. لم تكن الصفات الجسمانية هي الوحيدة في ترجيح كفة فيصل، إذ يرى جيمس بار في كتابه السابق أن مشروع عبد الله كان يقوم على توحيد الحجاز مع اليمن، بينما كانت لفيصل علاقات أوسع مع بعض أعضاء الحركة العربية في مدن سوريا والعراق، ولذلك مثّل أفضل أمل لتوسيع ثورة الشريف حسين بعيداً باتجاه الشمال، وتحويل حلم لورانس بالقضاء على أي أمل للفرنسيين بالحصول على سوريا.

لقاء بعد مئة سنة

سايكس وبيكو، ولورانس وفيصل، ربما هذه الشخصيات الأربع هي التي شكّلت محور اهتمام المؤرخ البريطاني جيمس بار، سواء في كتابه الأول «الصحراء تشتعل: أسرار لورنس العرب» أو على امتداد قرابة 200 صفحة وأكثر من كتابه الآخر الصادر عن دار الساقي «خط في الرمال» بترجمة ماريا الدويهي. كان المؤرخ البريطاني قد أصدر كتابه الأول عام 2007 والثاني عام 2011، ولذلك فضّلت الساقي في ذكرى مرور مئة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى ترجمة كلا الكتابين. لا تأتي جديتهما في الاعتماد على الأرشيف البريطاني، بل كذلك على مستوى الأسلوب والكتابة التاريخية؛ فمن يقرأ كلا الكتابين يشعر بأنه يتابع فيلماً سينمائياً، وليس مؤلفاً عن أحداث سياسية، عادة ما تطرق له بأسلوب جاف ومدرسي، إذ نجح بار في تعريفنا بخلفية كل اللاعبين؛ الأهم ربما من ذلك هو قدرته على تفكيك بعض الأساطير حول تلك الفترة، التي غدت مهيمنة على سردياتنا الوطنية أو الأيديولوجية بشقيها العروبي أو الإسلامي.
وهنا أشير بالأخص إلى اتفاقية سايكس بيكو، إذ ما زال يُنظر لها بوصفها الخطة التي رُسِمت عليها خطوط الدول الحديثة. لا ينفي بار أن هذه الخطة قد وُجِدت، لكنه يُسقِط عنها ذلك التأثير المبالغ به. فعلى امتداد كتابه يكشف لنا مثلاً أن هذه الاتفاقية لم تكن سوى حبر على ورق بالنسبة للإنكليز؛ حتى أن سايكس وصل للقناعة ذاتها، فقد اعترف في عام 1918 بأن اتفاقه مع بيكو «مات ومرّ عليه الزمن، وكلما تم الإسراع بإلغائها، كان ذلك أفضل»، وهو موقف كان يعبر عن رأي البريطانيين، الذين كانوا على قناعة بأنه ليس من حق الفرنسيين الحصول على سوريا. لا ينفي بار لاحقاً العودة لتنفيذ هذه الخطة، بيد أن هذه العودة، وفقاً له، لم تأتِ جراء الاتفاق الأولي، وإنما جاءت جراء تفاعل عدد من العوامل المحلية البريطانية والدولية. كما أنه، وخلافاً لبطلي هذه السردية سايكس وبيكو، نجح بار بعد مئة سنة من إعادة تسليط الضوء على شخصيتي لورنس وشخصية الملك فيصل، بوصفهما أيضاً شخصيتين بقيتا تلعبان دوراً فاعلاً لفترة طويلة بخلاف بيكو وسايكس.

أمة الدراويش

كان قارع الطبول يلعب وراءهم الإيقاع العسكري، ووراءهم أيضاً القطيع المترنح من ألف ومئتي جمل التابع للحراس الذين يمشون متلاصقين بعضهم إلى جانب بعض. كان الرجال يرتدون الألبسة الملونة على أنواعها، وكانت الجمال تلمع أيضاً بجلالها المزركش. كان الحشد بكامله يغني بأعلى صوت أغنية حربية تتغنى بفيصل وعائلته.
وقد لاحظ عبد الكريم، أحد قادة قبيلة جهينة «لم نعد عرباً، بل أصبحنا أمة» وهو ينظر من خيمته إلى مئات النيران التي كانت تشتعل في الأسفل في إحدى ليالي استراحة فيصل ومن معه. كان لورانس يعتقد أن هذا التحرك قد يُضعِف من اتفاقية سايكس وبيكو، فدخولهم لسوريا سيفرض أمراً واقعاً جديداً يقضي بتولي فيصل الحكم. ويبدو أن رؤية لورانس كانت في محلها، إذ سرعان ما اندفع سايكس لتحريض أعضاء في وزارة الخارجية البريطانية عليه كونه ينسف صفقته بهذه الطريقة.

لم تكن الرحلة من مكة لدمشق سهلة، بل عرفت خلافات وانقسامات في جيش فيصل، كما تعرض فيها لورانس وبعض زملائه لمخاطر كبيرة وهم يفخّخون سكة الحجاز. وصلوا في 16 سبتمبر/أيلول 1918 برفقة ألف رجل إلى درعا، واستطاعوا السيطرة عليها؛ بعدها بشهر كان لورنس ودراويش فيصل يلاحقون ما تبقّى من قوات عثمانية في دمشق. مع سيطرتهم على المدينة، أُجبِر الآخرون على الاعتراف بفيصل بوصفه لاعباً أساسياً. أخذ يطالب بحقوقه في حكم سوريا؛ حاول البريطانيون التراجع بداية عن وعودهم، إلا أن علاقتهم بالفرنسيين كانت تتراجع بعد الحرب. وبينما كانت المفاوضات مستمرة من وراء الكواليس، حاول المسؤولون الفرنسيون استبعاد الأمير الهاشمي عن إجراءات مؤتمر السلام. بيد أن البريطانيين أصرّوا على وجوده.
حضر فيصل المؤتمر في 6 فبراير/شباط، كان يرافقه لورانس بصفته مترجمه الفوري، طالب باستقلال العرب وفق مقترحٍ أمريكي حول تقرير المصير، وقد أثار ذلك شعوراً طيباً لدى الوفد الأمريكي الذي اعتبره «الشخصية الأبرز في مؤتمر السلام برمته».

مأزق بريطاني

كان البريطانيون يتعاملون مع فرنسا وفقاً للميدان، ولذلك لم يولوا أي أهمية تُذكر للاتفاق الذي وقّعه سايكس وبيكو؛ غير أن تطور الأمور، كما يرى جيمس بار، أجبر البريطانيين لاحقاً على إعادة النظر بموضوع سوريا ومطالبة الفرنسيين بها. يلخّص بار عدة أسباب لهذا التراجع، أولها، أن اقتراح أمريكا حول تقرير المصير، أثار القلق لدى البريطانيين من أن يُؤثِّر لاحقاً على استثمار النفط في جنوب الموصل.
أما السبب الآخر، فهو قناعة البريطانيين بأن السلام في القارة الأوروبــــية لن يدوم طويلاً بعد انتهاء الحرب، لذلك أخذت تتجــــنب استفزاز حليفتها الحربية خوفاً من مواجهة مع ألمانيا، وهناك عامل آخر يتعلق بموضوع الأوضاع الاقتصادية التي كانت تمر بها بعد الحرب؛ فقد رأت بعض الصحف في بقاء أكثر من ثلاثة آلاف جندي بريطاني في سوريا أمراً غير مبرر. جاءت إقالة لورانـــس، عقب انتقاده بسبب الدور الذي لعبه في إثارة التوترات مع الفرنسيين، كبداية لإحياء سايكس وبيكو، إذ غدت صداقة فرنسا توازي عشرة بلدان كسوريا.

وحيداً في انتظار القطار

بعد إقالة رفيق دربه، حاول فيصل كسب بعض الوقت، لذلك أبلغ الفرنسيين أنه على استعداد لقبول عرض كليمنصو، القاضي بقبول استقلال سوريا مقابل الاعتراف بدورها اقتصادياً وعسكرياً، ظناً منه أنه يكسب بذلك وقتاً إضافياً للمناورة. عاد لدمشق، غير أنه عجز عن إقناع أعضاء المؤتمر العربي الذين اتّهموه بالخيانة. وتحت هذه الظروف سارع لإعلان سوريا دولة مستقلة وإعلان فيصل ملكاً عليها. وسرعان ما دفع هذا الإعلان الأمور للتأزم بين السوريين والفرنسيين. وفي الرابع والعشرين من يوليو/تموز سحق غورو قوة عربية في ميسلون، ثم أمر بطرد فيصل من المدينة.
ينقل جيمس بار أن البريطانيين فُوجِئوا بهذا القرار، لذلك لم يروا أمامهم سوى السماح له بالمكوث لفترة قصيرة في فلسطين، بعدها رافقوه إلى الحدود المصرية؛ يتخيّل المؤرخ اللبناني خالد زيادة في روايته «حكاية فيصل» هذا المشهد؛ كان ينتظر في محطة القطار وحيداً، شريطا من الذكريات كل ما تبقى له؛ صورة عن الثائر الذي جمع العشائر وقاتل الأتراك؛ في مكان آخر، كان صديقه لورنس متعباً، ومحبطاً جداً «يمضي الصباح جالساً في الوضعية نفسها، من دون حراك».

عودة الخليفة فيصل

يرى جيمس بار أنه في اليوم الذي وجّه فيه الفرنسيون ضربة لفيصـــل وللسوريين في دمشق، ألحق هؤلاء هزيمة مذهلة بالبـريطانيين.
ففي الوقت الذي فشلت فيه تجربة الاستقلال السورية، كان العراقيون قد باشروا ذلك في بلاد الرافدين، رغم الحجم الضخم للحامية البريطانية، كانت حدود البلاد التي لم يتم ترسيمها بعد، بحماية وحدات هزيلة، منفصلة وهشة. وقد شجّع هذا الغضب العسكري رجالَ بعض القبائل على الثورة؛ وبدعم القادة الدينيـــين الشيعة، سرعان ما انتشر الحراك في أوساط القبائل في سهل الفرات الخصيب. وقد حاولت الحكومة البريطانية إخفاءها، بيد أن تفاقم الأوضاع أجبرها على الاعتراف. كانت فكرة إخلاء وادي الفرات بالكامل قد بدأت تراود بعض المسؤولين في الخارجية.
فجأة برزت صورة فيصل من جديد، لا بوصفه ملك سوريا هذه المرة، بل بوصفه متحدراً من سلالة النبي محمد لتحقيق الاستقرار. ولن تمر هذه الأخبار بسلام لدى الفرنسيين، فأرسلوا رســالة للبريطانيين مفادها أن الرهان على فيصل ســـــيكون أشــــبه بـ»المراهنة على مزمار مكسور»، رغم ذلك بقي البريطــــانيون مقتنعين بأن رمزية فيصل الدينـــية ستمكّنهم من ضبط العراق الحديث، إلا أن خيبة الأمل سرعان ما أصابتهم بعد لقائهم الأول به في العراق، ذلك أن الصورة التي رسموها في مخيلتهم عن قائد عربي/ديني سرعان ما ستنكسر عند حضور فيصل معتمراً قبعة طويلة وسترة. طلب تشرشل من لورنس أن يترجم للأمير أنه آسف «لأنه أضاع ملابسه الجميلة». حينها أجابه فيصل: «نعم، وأنا أضعت مملكتي الجميلة».

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق