متابعات ثقافية و فنية

“ترجمة باخ” لبدر عثمان.. مزج بين نشوة الروحانيات ونشوة الموسيقى

يوسف الشايب

بعد بحث لعام ونصف العام في عوالم الموسيقار الألماني يوهان سبستيان باخ، “اللامؤمن” الذي خرج بموسيقى كنسية كانت دافعاً لبث دفعات روحانية ذات صبغة إيمانية، وجلها كانت مرتجلة لمن “وجد نفسه يعمل موسيقياً في الكنائس لأسباب اقتصادية بحتة”، وبعد أن اكتشف ما وصفه “تجميد الزمن بالموسيقى”، و”هندسة النوتات”، وغيرها من خصوصيات موسيقى صاحب “التوكاتا” و”الفوجا”، خرج الشاعر الفلسطيني بدر عثمان بمجموعته “ترجمة باخ”، التي حصلت على إشادة لجنة تحكيم مسابقة الكاتب الشاب للعام 2017، وهي المسابقة التي تنظمها مؤسسة عبد المحسن القطان.

في قاعة الجليل بمتحف محمود درويش في مدينة رام الله، والتي غصّت بالحضور، مساء أمس، أطلق عثمان مجموعته التي قال عنها الروائي أكرم مسلم، عضو لجنة تحكيم المسابقة: يتقمص هذا العمل المغامر، الموسيقار باخ، ويحيل عالمه الشخصي، و”كماله” الموسيقي إلى لغة.. لغة مقطرة، عالية المجاز. قصائد خارجة من الأحلام وذاهبة إليها، مثل موسيقى باخ “تزرع صوت العصافير في النهر”، وتحيل الخبز إلى قلب. مرآة لغوية لموسيقى فيها الروح ريح يقطعها الوتر، ويصلها، وفيها القلب يكتب بلا وسيط. يقول الشاعر على لسان باخ: “أبنائي أكلوا يدي، سأعزف منذ الآن بقلبي”.

وأضاف مسلم: “قلت: عمل مغامر، ذلك لأن الاختيار وعر، على الرغم من أن الحديث يدور عن موسيقى، فباخ من أعمدة الموسيقى الكلاسيكية على مدى التاريخ، وتقمّصه مغامرة بالفعل. بتقديري المجموعة نجحت إلى حد كبير في ترجمة باخ شعرياً، لكن ماذا عن أسئلة الشعر نفسه ورسائله وحمولته؟ هذا ينقلنا إلى الجانب الثاني من وعورة الاختيار، إذ إن باخ مؤلف موسيقي وعازف كنسي، قادم من المناطق الإيمانية وذاهب إليها، وهذه المنطقة وعرة ومتوترة أيضاً، تقلق الأسئلة بمقدار ما تقترح الإجابات. تفتح فضاءات لكنها ربما تغلق أخرى. وتمتد بين حدّين، أولهما صوفي شفاف يبحث عن روح الكون، وثانيهما سلفيات تنظر، ليس فقط للإبداع كخطيئة، إنما للجمال نفسه. فكيف سيدير الشاعر الشاب مغامرته في هذه المنطقة؟ ينجح الشاعر برأيي في المزج ين نشوة الروحانيات ونشوة الموسيقى، لكن النص لا ينجو تماماً في المقابل من ثقل الإحالات إلى الرموز الدينية”.

وليس بعيداً عن موسيقى مصوّرة وغير مصوّرة لباخ، انطلق عثمان بتقديم شيء من قصائد “ترجمة باخ” على جولتين، وهي المجموعة التي توزعت على سبع قصائد: ”كونشرتو الدخول”، و”سوناتا حكمة الموسيقى”، و”انتظار ماثيو الطويل”، و”حوريّات براندنبورغ الستّة”، و”حالة الكلافير الجيّدة”، و”رقص على التشيلو”، و”تعال أيها الموت الرحيم”.

وفي مداخلة لعبد الرحيم الشيخ، قدمها الشاعر فارس سباعنة القائم بأعمال مدير عام متحف محمود درويش، قال الشيخ: تدشّن تجربة عثمان في “ترجمة باخ” على “مجاورة” شعرية للموسيقي يوهان سبستيان باخ، لكنها أكثر من “مجاورة” بين فنيّ الشعر والموسيقى، وأقل من “محاورة”، ربما يصلح وصفها بأنها “شِعرية التساقي”، إذ يبدو الغرف من الموسيقى الكنسية لباخ وتجربته الإنجيلية استمراراً لمشروع أطول في استعارة “المقدس” نصّياً وأدائيّاً، والتساقي معه في “كتاب الأعمى”. يبدو هذا المشروع كدولاب ساقية محمّلة بالدِلاء، تنهل من معين الماء، فيتجاور الماء في الدِلاء، وينمو العشب، ويمضي الزمن… ذلك أن “الماء يقسو على بعضه، والقوي من الماء يطفو، والضعيف من الماء يغرق ماء في الماء”.

وجاء بيان لجنة تحكيم مسابقة الكاتب الشاب للعام 2017، حول “ترجمة باخ” للشاعر بدر عثمان “تقدّم هذه المجموعة، التي لا تخلو من طزاجة وأصالة، تجربة روحيّة خاصّة خلف الكتابة، وتتجلى شعريّتها في محاكاة مزدوجة لموسيقى الكنائس والاستعارة الدينّية، وتنجح في إيصال ذلك المزج بين حالة النشوة الدّاخلية، وتلك التي تنتج عن النشج الموسيقي في لغة مغسولة بالماء المقدس”.

“لم يكن يوماً.
رأيت الذئاب
ترقص على سوناتا
الثلج.
ثلاث حركاتٍ
لعواءٍ
طويلٍ
لا ينتهي.

لم يكن خيالاً.
ظلي الذي حمل
وصيّة الملح.
لم يكن ظلاً.
ذئبي الذي حمل
خيال الليل.

لم يكن ليلاً.
ذلك الذي قتل أبنائي”.

الايام الفلسطينية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

free instagram followers instagram takipçi hilesi

إغلاق