تراث و وثائق

مكة التي لا نعرفها: رحلة خارج أسوار التاريخ المقدس

تركي الربيعو

عادة عند الحديث عن تاريخ مكة، سرعان ما تعود بنا الذاكرة إلى الفترة الأولى من الإسلام المبكر. ذلك أن موقع مكة ارتبط في مخيّلة المسلمين بتاريخ الدعوة المحمدية. رغم أن هذه الدعوة لم تستمر طويلاً في شعابها، إذ سرعان ما ستدفع الظروف بالنبي إلى الهجرة باتجاه يثرب، ولن تعود لتكون مركزاً للصراع السياسي أو عاصمة لأي مجتمع مسلم، سواء في زمن الرسول أو خلفائه. فقد سيطرت مدن، مثل الكوفة ودمشق ولاحقاً بغداد، بيومياتها وأحداثها على مشهد التأريخ للمدينة في العالم الإسلامي، بينما كانت العودة لمكة، تعني تكراراً للمرويات التي تتحدث عن مكانة هذه المدينة قبل الإسلام، وعن مركزيتها في الجزيرة العربية، قبل أن تتحول لمركز روحي يُذكّر الجماعة ببداياتها الأولى.
وقد بقيت هذه الصورة عن مكة هي المهيمنة على قلوب المسلمين وأيضاً سردياتهم؛ فالحنين لهذه المدينة، وللفترة الأولى أكثر ما يشد اهتمامنا تجاهها. بيد أنه في مقابل هذه الصورة المتخيّلة، هناك بعض المؤرخين الذين حاولوا تجاوز أسوار المقدّس لصالح معرفة الدنيوي وتفاعلاته داخلها. صحيح أن هناك أجندات فكرية وثقافية مختلفة حكمت هذه الرؤى والحفريات، إلا أنه ربما ما جمع هذه المحاولات هو اتفاقها على فكرة مفادها، أن ظهور الإسلام في مكة هو الذي حوّل المدينة إلى مدينة مركزية لاحقاً في حوليات المؤرخين المسلمين في الجزيرة العربية.

فعلى سبيل المثال، حاولت المستشرقة الهولندية باتريشا كرونه في كتابها «تجارة مكة وظهور الإسلام» التشكيك بوجود أي دور فاعل لمكة اقتصادياً قبل الإسلام، وهي نتيجة كانت محور اهتمام ونقد واسع، في أطروحة المؤرخ التونسي محمد سعيد حول «النسب والقرابة في المجتمع العربي قبل الإسلام»، لكن رغم نقضه وتفكيكه لأطروحة كروما، بقي سعيد يرى أن رؤية الأخير استطاعت أن تهز جذور الهالة الروحانية التي تحيط بتاريخ هذه المدينة، وهي هالة لا يمكن الفكاك منها بسهولة. فهي لم تكن كما عودتنا كتب التراث ذكره، مركزاً للجزيرة العربية، بل ربما كانت هناك مدن توازيها على صعيد الثقل التجاري وحتى الروحي أو السياسي، كما بيّن ذلك أيضاً المؤرخ السعودي الراحل عبد الله العسكر في أطروحته «تاريخ اليمامة»، إذ توصّل إلى أن اليمامة كانت تعيش حراكاً كبيراً في القرنين السادس والسابع، وربما موازياً لحراك مكة، غير أن هذا الحراك غالباً ما تم تدوينه والنيل منه في صدر الإسلام جراء التأثر بحكايا مسيلمة الكذاب (ابن المدينة) وحروب الردة. وهنا لا بد أن نشير إلى أن دراسة العسكر هذه والنتيجة التي توصل إليها (التشكيك بمركزية مكة قبل الإسلام) ربما هي التي حالت دون طباعتها قرابة عقدين بعد صدورها في جامعة لوس أنجليس الأمريكية، قبل أن تقوم جداول السعودية بطباعتها ونشرها منذ سنوات قليلة مضت.
ومما يُؤخذ على هذه الدراسات، أنها بقيت مشغولة أيضاً بالفترة القريبة التي سبقت ما عُرِف بمرحلة الإسلام المبكر، بدون أن تخوض مغامرة الكشف عن حياة هذه المدينة، بعد أن أصبحت هامشية على مستوى الأحداث السياسية. وربما هذه الزاوية أو الملاحظة، هي ما دفع بالمفكر الباكستاني ضياء الدين سردار إلى إصدار كتاب بعنوان «مكة المدينة المقدسة»؛ وقد يوحي عنوان الكتاب للقارئ بأنه امتداد للسرديات التقليدية عن هذه المدينة، بيد أن الطواف بين صفحاته يكشف لنا عن تاريخ آخر؛ أو عن تاريخ مجهول وهامشي من حياة هذه المدينة المقدسة.

يرى سردار أن مكة ليست مجرد مدينة، بل هي فكرة ميتافيزيقية، لذلك كانت الملائكة تؤدي الحج في الحرم حتى قبل أن يُخلق آدم. مع ذلك يقترح علينا سردار (في كتابه المترجم عن جسور للنشر، ترجمة هبة رؤوف)، الذي قضى سنوات من حياته في السعودية، السير بنا في شوارع مكة، للتعرف على تاريخها وبيوتاتها، وما شهدته من تقلبات بعد هجرة النبي منها، وصولاً إلى حصارها من قبل قوات الأمن السعودية، مروراً بإعلان جهيمان العتيبي تمرّده على السلطة الحاكمة. ونعثر في هذه الرحلة على صورة أخرى، عن أناس آخرين، عن لباس أهلها وطعامهم، والمجاعات التي عاشوها، بالإضافة إلى مظاهر اللهو والمرح داخل بيوتاتها. إذن فهو كتاب، كما يؤكد سردار، عن مكة الأخرى، الفرعية والمهمشة، حيث الحياة المعيشة، وحيث سكن الأخيار والأشرار، تاريخ مدينة شهدت صراعات وصلت إلى درجة الدموية.

عودة ابن بطوطة إلى مكة

«كانت رحلتي إلى الحج مختلفة.. فقد حججت ماشياً، على الرغم من نزق دليلي جنكيز. لقد تواصلت مع أمثال ابن بطوطة ونهج من سبقوه، وصولاً إلى رسول الله نفسه». بهذه العبارة يصف لنا رحلته في بداية التأريخ لهذه المدينة. لقد شهدت الأوضاع في مكة مداً وجزراً بحسب الأحوال في باقي العالم الإسلامي، ما جعل الحياة في مكة أحياناً أبعد ما تكون عن صورتها كقطعة من الجنة. فحين وصل الرحالة الفارسي ناصر خسرو إلى مكة عام 1050، شاهد مدينة مشتتة الشمل تحتاج إلى إصلاحات عديدة وتعاني مجاعة، وعلى حد وصفه، كان سكانها لا يزيدون على ألفين والباقي يقربون من الخمسمئة من الغرباء والمجاورين، وكان القمح شحيحاً وباهظ الثمن، فغادر المدينة كثير من أهلها، ما أدى إلى انكماشها لاحقاً.
ويتميز ابن جبير بسرد أكثر تفصيلاً للزمن والمكان في وصف مكة، فعندما زار المدينة بعد زيارة ناصر خسرو لها بمئة وثلاثين عاماً، وجدها مزدهرة ومتطورة. وما ذكره أن فيها حمامين للاغتسال، يحملان اسم فقيهين في ذلك العهد، وعلى قمة جبل أبي قبيس وجد ملجأ للفقراء. كما اكتشف أن المدينة تخلو من الجريمة، كانت أسواقها مملوءة بالبضائع. وكان كبار الموسيقيين مكوّناً مهماً من حياة القصور في العصرين الأموي والعباسي، وقد ظهر التأثر بالموسيقى البيزنطية والفارسية؛ وكان من بين المغنين أو العازفين الذين زاروا مكة لأداء مناسك الحج من نعرفهم بأسمائهم، وبعضهم مكث بعد انقضاء موسم الحج لتقديم فنونه في بيوت الأثرياء، مثل ابن مسجع (ت701)، ابن محرز(ت715) ومعبد (ت743) وعادة ما كان يتركون خلفهم طلاباً صاروا بدورهم موسيقيين بارعين، يمارسون فنونهم في ضواحي مكة لمن يستدعيهم من الأغنياء. يرى سردار أن مكة كانت تمثل مشهداً موسيقياً مفعماً بالحيوية والنشاط بعيداً عن المسجد الحرام.

لباس وطقوس زواج أهل مكة

عندما قام الفارسي ابن المجاور بزيارة مكة بين عامي 1226 و1230 قدّم وصفاً أنثروبولوجياً مبدعاً عن أهل المدينة. فعلى سبيل المثال، ذكر أن ملابس أهل مكة مصنوعة من حرير وكتان نيسابوري، وأن نساء العوام يرتدين غطاء الرأس، أما على بعد ميلين في مدينة المحالية، اكتشف أن النساء يرتدين الجلد فقط «ذلك أن المرأة تأخذ طاقمين من أديم تخيط بعضه إلى بعض وتقور فيه قوارة وتكتسيه، فإذا مشت بان جميع بدنها من فوق ومن تحت». كما يخبرنا ابن المجاور، في كتابه المستبصر، عن طقوس الزواج. إذ يخضّب الرجال ايديهم وأرجلهم تزيناً في إشارة للإقدام على الزواج، ويذهب العريس بعد ذلك إلى الحرم، ويؤدي الطواف، ثم يذهب حاملاً شمعة في يده إلى بيت العروس ليدخل عليها، ويبقى عندها سبعة أيام ثم يرحل في اليوم السابع لجمع الأموال من الأهل، ليستخدمها في فتح دكان يعيش منه. وخلافاً لابن المجاور في نظرته للمرأة المكيّة، التي فسر امتلاء ردفيها بتأويلات غير لائقة، فإن ابن بطوطة كان يعتقد أن نساء مكة فائقات الحسن، بارعات الجمال بيد أنه وجدهن يفرطن في استخدام العطور.
ومع قدوم العثمانيين كانت المدينة وللمرة الأولى منذ وفاة النبي تعيش في سلام مع نفسها. فقد تنافس السلاطين على بناء المساجد والمدارس والحمامات العامة والمكتبات والمستشفيات، وهكذا بدأت مكة أخيراً باللحاق بركب هذا النوع من تحديث البنية التحتية، الذي كان شائعاً في المدن الإسلامية قبلها بقرون. وبذلك أخذت تحاكي التنسيق الحضاري للمدن العثمانية، فتزينت بيوت المدينة بشرفات مطلّة على الشارع تصلح لجلسات العائلات، كما زاد في هذه الفترة عدد زوار المدينة وعدد سكانها في أواخر القرن السادس عشر، وهو ما تؤكده عطايا رجال الإدارة العثمانية الذين كانوا يدفعون مبلغاً من المال لكل بيت في مكة ويسجلونها، ما وفّر سجلات بكل من كانوا يقطنون فيها، وعدد المنازل، وبيان بسكان المدينة عدا التجار والجنود.
وقد صعدت، في عام 1600، قوتان جديدتان في منطقة المحيط الهندي هما، شركة الهند الشرقية الهولندية وشركة الهند الشرقية البريطانية، واستهدفتا تحدّي احتكار البرتغاليين للممر البحري المباشر إلى أوروبا. وعلى مدار القرن السابع عشر تنامى نفوذهما وتأثيرهما في شكل التجارة العالمية وهيكلها، فقد بدأت التجارة البحرية بشكل تدريجي بإضعاف قابلية الاستمرار الاقتصادية لتجارة القوافل البرية، فتغيرت خريطة القوى الاقتصادية ونمط تبادل السلع، حتى أن الحجاج الذين كانوا يأتون إلى مكة عبر الممرات المائية للمحيط الهندي أصبحوا يفضّلون السفر على السفن الإنكليزية أو الهولندية أو الفرنسية. تأثرت مكة بهذا الاتجاه، فأصبحت حركة القوافل التجارية البرية نادرة. وبحلول عام 1667 كانت المدينة على حافة مجاعة قاسية، كانت الأسواق خالية، والخبز يصنع من الحمص والفول، بل كان الفقراء يقتحمون منازل الأغنياء في محاولات يائسة للبحث عن الطعام، وآخرون تحولوا إلى أكل القطط والفئران.

قدوم الوهابيين للمدينة

مع قدوم القرن الثامن عشر كانت المدينة المنورة تشهد صعوداً لموجة جديدة من إحياء علوم الحديث، والسعي للتوفيق بين ممارسات التصوف وأحكام الشريعة الإسلامية. ويحتمل أن يكون محمد بن عبد الوهاب قد تأثر بالحركة، لكنه على أي حال كان يعتقد أن المسلمين أصابهم الفساد، وأصبحوا يؤمنون بالخرافات، ولذلك كان من الضروري تطهير الإسلام.
رأى أهل مكة في الوهابيين مصدراً للخطر، بيد أنه في فجر أحد ايام شهر مايو/ أيار 1803 دخل الوهابيون إلى مكة ولأنهم كانوا قد قتلوا في الطائف نحو 200 من سكانها، فقد توقّع أهل مكة مذبحة. لكنهم فوجِئوا بأن الوهابيين دخلوها بطريقة منظمة، ثم أعلن ابن سعود أنه لن يلحق بهم أي أذى. وقد حظيت هذه الفترة بوصف دقيق من أحد النبلاء الإسبان، الذين كان يقيمون في مكة، ويدعى دومينغو بادي أي ليبخ؛ كان قد أعلن إسلامه وأطلق على نفسه اسم علي بك العباسي، يصف لنا مشهداً من مشاهد هؤلاء الوهابيين «لا يرتدون سوى قطعة صغيرة من الملابس حول خصورهم، باستثناء القليل منهم الذين يرتدون قطعة إضافية على أكتافهم، مع حزام البنادق على أكتافهم» لم يمكثوا طويلاً في المدينة إذ استطاع ابن محمد علي باشا إخراجهم منها والانتصار عليهم.
يرسم لنا الرحالة والمؤرخ السويسري بوركهارت وصفاً شيقاً وشاملاً عن مكة وعن أهلها وانشغالاتهم بعد خروجهم. فقد كانت مدينة عالمية، مسكونة بعدد كبير ممن سُموا أجانب، وقد لاحظ أفول نجم قريش في مكة، فلم يجد بوركهارت في مكة سوى ثلاث عائلات قرشية، أما التواجد الملحوظ الذي يمتد بنسبه إلى الماضي والتاريخ، فكان لعشائر الأشراف. كانت غالبية سكان مكة في تلك الفترة من اليمن وحضرموت والهند ومصر والشام، وأيضاً الأتراك والمغاربة؛ كما كانت هناك أيضاً مجموعة صغيرة من الفرس والتتار والأكراد والأفغان، وقد جاء معظم هؤلاء إلى مكة بهدف الحج، ثم تزوجوا من مكة واستقروا من أجل العمل والتجارة. كما كان معظم العرب يعيشون في حارة الشبيكة التي عُدَّت من أكثر المناطق نظافة وهواء في مكة. أما الفقراء فكانوا يسكنون بيوتاً نصف متهدِّمة في منطقة تسمى حارة أجياد أو بالقرب من ساحة المقابر القديمة، وبذلك نجد أن مكة الأخرى كانت كباقي المدن في المنطقة تعيش وتشهد تناقضات في حياة الناس وأحوالهم.

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق