إضاءات

برنار الحكيم.. من روما إلى القدس زمن الخليفة المعتز

تيسير خلف

من نوادر رحلات الأوروبيين المبكرة إلى البلاد العربية أثناء فترة حكم الخليفة العباسي المعتز (867 ميلادي)، رحلة الراهب برنار الحكيم الذي اختلف في أصله، فهناك من قال إنه كان بريطانيا في حين قال آخرون إنه فرنسي؟

وأهمية هذه الرحلة أنها تصور جانباً من العلاقات الدولية في حوض البحر المتوسط حين كان الجنوب الإيطالي تحت حكم العرب المسلمين، وحين كانت الفوضى تعم أوروبا، حتى أن المرء في مدينة روما نفسها لم يكن يأمن على نفسه إن سار في أحد الشوارع إن لم يكن برفقة مجموعة مسلحة، في وقت يمتدح برنار الحكيم الأمن والانضباط الشديد في المناطق الإسلامية التي مر بها في طريقه إلى القدس للحج..

ويمكن عد الحديث عن “معجزة” النار المقدسة في سبت النور في القدس، واحدا من أقدم الأحاديث والشهادات عن هذه الظاهرة التي تتكرر في القدس سنوياً ويشكك بصحتها الكثيرون، وبالأخص أتباع الكنائس الغربية.

ووفقاً لمخطوطة اكسفورد التي حققها ودرسها كثير من الأكاديميين البريطانيين، وصدرت ضمن كتب ودراسات عن “الرحلات المبكرة إلى فلسطين”، فإن برنار يقول بوضوح إنه ولد في فرنسا، ولكن عند عودته من فلسطين انتقل إلى دير مونت سانت ميشيل في بريتاني. ومن خلال خط سير الرحلة نعلم أنه كان في روما في العام 867، وقد يكون هذا هو تاريخ انطلاق رحلته، كما أن هناك إشارة إلى اسم بابا روما القديس نيقولا الأول الذي كان بابا الفاتيكان في تلك الفترة..

ومع ذلك هناك جدل أكاديمي معقد حول هذه الرحلة والرحالة نفسه، إذ يخلط البعض بينه وبين مؤلف لكتاب حول تاريخ القدس خلال الحروب الصليبية يحمل الاسم نفسه، حتى أن البعض يجعلانهما شخصية واحدة، ولكن ذلك وهم لا أساس له من الصحة، إذ إن مخطوطة الرحلة ووقائعها تثبت أنها وقعت قبل الحروب الصليبية بقرون.

جواز عبور من المسلمين

يقول برنار الحكيم في مستهل رحلته: “في سنة 867 من تجسد المسيح، انضممنا إلى بعضنا نحن الراغبين في زيارة الديار المقدسة، أنا برنار ورفيقيّ الأخوين الراهبين ثيوديموند من دير القديس سانت فانسنت في بينيفينتوم، وستيفن وهو إسباني. وقد ذهبنا معاً إلى روما للقاء البابا نيكولاس والحصول منه على إذن للسفر ولنيل بركته ومساعدته.. ومن ثم ذهبنا إلى جبل جارجانو، حيث كنيسة القديس ميخائيل القابعة تحت صخرة واحدة، والتي تنمو فوقها أشجار البلوط، ويقال إن هذه الكنيسة كانت قد كرست من رئيس الملائكة نفسه”.

وفي وصفه للكنيسة يقول: “المدخل من الشمال، ويمكن أن تتسع لستين شخصاً. وفي الداخل من الجهة الشرقية توجد صورة للملاك، وإلى الجنوب يوجد مذبح، ولا يتم وضع أية هبة فيه، ولكن هناك شيء معلق أمامه، إنها سفينة محملة بالهدايا، حيث يوجد بالقرب منها مذابح أخرى أيضا.. رئيس الدير يدعى بينيغناتوس، ويرأس العديد من الأخوة الرهبان”.

بعد ذلك قال إنهم غادروا جبل جارجانو الواقع في جنوب إيطاليا والمطل على البحر الأدرياتكي، وقطعوا “مئة وخمسين ميلاً ليصلوا إلى مدينة فتحها المسلمون وتخضع لسلطتهم تدعى باري، كانت في السابق تخضع لبيفينتوم، مشرفة من جهة الشمال على البحر ومحصنة من الجنوب بجدارين كبيرين جداً”.

وكان العرب المسلمون قد فتحوا باري وأقاموا فيها منذ مطلع المئة الثامنة للميلاد، وكانت تعد مقراً رئيساً لهم على الساحل الإيطالي، وقد تسببت غزواتهم على أراضي بينيفينتوم بأن أعد الإمبراطور لويس الثاني حملة ضدهم، واسترد باري بعد حصار دام أربع سنوات، بينما قام جنوده بحصار تارينتوم والتي لم يتم استرجاعها من العرب المسلمين حتى فترة متأخرة.

ويقول برنار الحكيم إنه ورفاقه حصلوا من “أمير المدينة، والذي يدعى السلطان” على الترتيبات اللازمة لرحلتهم، مع رسالتين تمثل كل واحدة منهما جواز المرور لهم وأوصافهم والهدف من رحلتهم؛ موجهتين إلى أمير الإسكندرية وأمير بلاد بابيلون (الفسطاط). وقال إن هذين الأميرين كانا يحكمان تحت ولاية أمير المؤمنين الذي يحكم كل بلاد العرب والمسلمين، ويقيم في بغداد. وعلى الأرجح فإن السلطان الذي قصده بحديثه هو الأمير محمد بن خفاجة بن سفيان الذي كان يقود قوات الأغالبة في صقلية وإيطاليا خلال تلك الفترة.

ويضيف قائلاً: “تقدمنا من باري إلى ميناء تارانتوم على بعد 90 ميلا، حيث وجدنا ست سفن على متنها تسعة آلاف أسير من بيفينتوم؛ كان هناك ثلاثة آلاف أسير على متن السفينتين اللتين أبحرتا أولا متجهتين إلى أفريقيا، وأخريان تبعتاهما باتجاه تونس تحملان ثلاثة آلاف أسير، الاثنتان المتبقيتان تضمان العدد نفسه من الأسرى المسيحيين إلى ميناء الإسكندرية، حيث استغرقت الرحلة ثلاثين يوماً”.

وعند وصول برنار الحكيم ورفاقه إلى الإسكندرية دفعا للقبطان، الذي يعمل تحت إمرته ستون من البحارة، ستة دنانير ذهبية، ونزلوا إلى المدينة.

في الإسكندرية والفسطاط

وبعد ذلك ذهبوا إلى أمير الإسكندرية وأظهروا له الرسالة التي أعطاها لهم السلطان في مدينة باري، فتعامل ببرود، وقال لهم إنه يتعين عليهم دفع 13 ديناراً للشخص الواحد حتى يعطيهم رسائل لأمير الفسطاط.

واستدرك برنار الحكيم قائلاً: “تقع مدينة الإسكندرية على شاطئ البحر، لقد عاش القديس مرقس هنا ووعظ بالإنجيل وتحمل كرامة الأسقفية، خارج البوابة الشرقية للمدينة دير القديس مرقس، مع الكنيسة التي كان فيها ضريحه، لكن البنادقة حملوا جثمانه خلسة ونقلوه على متن سفينة إلى مدينتهم.. خارج البوابة الغربية ثمة دير يدعى دير القديسين الأربعين، ويوجد فيه كما هو معتاد عدد من الرهبان”.

ولا شك في أن برنار الحكيم كان يشير إلى حادثة سرقة جثمان القديس مرقص التي رواها أكثر من مؤرخ ويجري تحديدها على وجه تقريبي في العام 820 ميلادي، أما دير القديسين الأربعين المذكور فهو على الأرجح “دير الزجاج” الحالي، والذي يقع على مسافة تسعة أميال من مدينة الإسكندرية غرباً، وفيه دفن أربعة من بطاركة الإسكندرية، ومن الواضح أنه أقيم على اسم القديسين الأربعين الذين قتلوا في سبسطية.

على قارب في النيل

يقول برنار الحكيم إنه ركب ورفاقه في قارب ودخلوا أحد فروع نهر النيل قرب ميناء المدينة، وأبحروا باتجاه الجنوب لمدة ستة أيام ووصلوا إلى مدينة بابيلون (الفسطاط) التي يقول إن فرعون كان يحكم فيها ذات يوم، و”حيث قام بأمر من يوسف الصديق ببناء مخازن الحبوب السبعة والتي ما تزال باقية”. بحسب قوله.

ولا يوجد الآن فرع للنيل يمر في الإسكندرية ويصب في مينائها، لكن ابن الجوزي في المنتظم يتحدث عن أن أحد فروع النيل السبعة يصب غربي الإسكندرية، لأن فرع الرشيد بعيد نسبياً عن المدينة. وحديث برنار الحكيم واضح ولا لبس فيه. ويبدو أن هذا الفرع الذي ذكره ابن الجوزي قد جف.

وحين وصل برنار الحكيم ورفاقه إلى الشاطئ في بابيلون (الفسطاط) اقتادهم حراس المدينة إلى الأمير المسلم الذي استفسر منهم عن هدف رحلتهم، وطلب منهم معرفة الأمراء الذين يحملون رسائل منهم، عندئذ أظهروا له خطابات السلطان سالف الذكر، ورسائل أمير الإسكندرية.

ولكن أحداً لم يحفل بذلك، كما يقول برنار الحكيم، لأنه تم إرسالهم إلى السجن حيث بقوا هناك ستة أيام. وبعد ذلك دفعوا المزيد من المال ثم حصلوا منه على الرسائل التي تحميهم بشكل فعال من أي عمليات ابتزاز أخرى، بحسب تعبيره.

الجزية أو السجن

يشير برنار الحكيم إلى أن أمير بابيلون الفسطاط كان يأتي من حيث قوة الأوامر في الدرجة الثانية بعد أمير المؤمنين في بغداد، ومع ذلك يقول إنه “عندما دخلنا المدن المذكورة فيما سيأتي، لم يسمح لنا بمغادرتها قبل الحصول على ورقة عليها ختم، حيث ترتب علينا دفع دينار أو اثنين”.

ويبدو أن الأمير المقصود هو مزاحم بن خاقان، ولا ندري كيف تحول هذا الاسم إلى (Adalhacham) في نص المخطوطة، ويقول برنار الحكيم “في هذه المدينة يقيم بطريرك باسم ميخائيل، يحكم الأساقفة والرهبان وسائر المسيحيين في جميع أنحاء مصر بفضل الله”.
والبطريرك ميخائيل هو الذي كان يرعى المسحيين الملكيين التابعين للكنيسة البيزنطية من 859 إلى 871 م، بينما كان بطريرك الأقباط الأرثوذكس المونوفيسيين في تلك الفترة هو البابا شنودة الأول.

ويضيف برنار الحكيم قائلاً: “يتسامح المسلمون مع هؤلاء المسيحيين بشرط دفع الجزية السنوية للأمير المذكور، ويعيشون في أمن وحرية. والجزية هي ثلاث قطع ذهبية أو اثنتان أو واحدة. وثلاثة عشرة ذهبية للشخص القادر على حمل السلاح، ومن لا يستطيع دفع تلك الجزية، سواء أكان مواطناً أصلياً أو غريباً، فإنه سيلقى في السجن إلى أن يخلصه الله أو بعض أخيار المسيحيين”.

إلى فلسطين ومنها إلى القدس

بعد ذلك يغادر الرهبان الثلاثة مدينة الفسطاط عائدين عبر نهر النيل إلى المحلة، ثم إلى دمياط الواقعة على شاطئ البحر في الشمال والتي يحيط بها النيل من جميع الأطراف باستثناء شريط صغير من اليابسة، كما يقول.

وبعدها يبحر برنار الحكيم ورفاقه إلى مدينة تانيس حيث يلاحظ أن المسيحيين في هذه المدينة أتقياء جداً و مضيافون للغاية، كما يقول. ويضيف أنه لا يوجد في هذه المدينة أية أراض إلا تلك الموقوفة للكنائس. ويتحدث عن رؤيته ميدان تانيس، حيث جثث الذين لقوا حتفهم في زمن موسى، كما يقول.

من تانيس توجه الحجاج الثلاثة إلى مدينة الفرما، حيث كنيسة القديسة ماري، ويقول إنه في هذا المكان هرب القديس يوسف النجار مع الطفل يسوع وأمه مريم بتحذير من الملاك. ويقول: “في هذه المدينة عدد وافر من الجمال، حيث يستأجر المسافرون جمال السكان الأصليين لحمل أمتعتهم عبر الصحراء، وهذه الرحلة تستغرق ستة أيام”.

بعد ذلك يصف برنار الحكيم صحراء سيناء التي يقول إنها تبدأ في هذه المدينة (الفرما)، ويبرر هذه التسمية بعدم وجود أثر لعشب أو ثمار من أي نوع باستثناء أشجار النخيل. ثم يضيف: “هذه الصحراء بيضاء كسهل مغطى بالثلوج، وفي منتصف الطريق يوجد نزلان اثنان واحد يسمى البام والآخر البقارة، حيث يتاجر المسلمون والمسيحيون بالأشياء التي يحتاجها المسافرون. إلا أن الأرض حولهم قاحلة كما هو الحال في بقية الصحراء”.

ويتابع برنار الحكيم وصف الطريق بقول: “بعد البقارة تصبح الأرض خصبة ويستمر ذلك إلى غزة، مدينة شمشون، وهي غنية جداً في كل شيء.. ومن ثم ذهبنا إلى الرملة الواقعة بالقرب من دير القديس جرجس الشهيد حيث تسكن روحه”.

ينطلق الحجاج الثلاثة مسرعين من الرملة إلى قلعة عمواس، ومن هناك يتوجهون إلى مدينة القدس المقدسة، حيث استقبلهم في النزل الذي أقامه الإمبراطور المجيد شارلمان حين زار المدينة المقدسة في عهد هارون الرشيد، وبنى هذا المنزول الذي يستقبل جميع الحجاج الذين يتحدثون اللغة اللاتينية حيث يجاورون الكنيسة المقامة تكريماً للقديسة مريم، مع أعظم مكتبة أسسها الإمبراطور ذاته، مع اثنتي عشر غرفة، وحقول وكروم وحديقة في وادي يهوشافاط. بحسب تعبيره.

ثم يتحدث عن وجود مستشفى أمامه سوق، يتوجب على كل بائع فيه أن يدفع إيجاراً سنوياً لصاحب المكان قطعتين ذهبيتين، وهذه الإشارة للمستشفى في القدس تعد إشارة مبكرة على هذا الصرح الذي ذكره فيما بعد الرحالة الفارسي الشهير ناصري خسرو.

ويسترسل برنار الحكيم في وصف مدينة القدس فيقول: “بداخل هذه المدينة، إلى جانب أبنية أخرى، هناك أربع كنائس رئيسة جدرانها متصلة مع بعضها البعض، واحدة إلى الشرق وبنيت على صخرة الجلجلة، وهي المكان الذي عثر فيه على صليب السيد، وتسمى كاتدرائية قسطنطين، والثانية إلى الجنوب، والثالثة إلى الغرب، وفي الوسط يوجد ضريح سيدنا، ونرى في حلبته تسعة أعمدة وبينها جدران مبنية من حجارة شديدة الإتقان..أما الرابعة فهي النصب التذكاري، حيث جدرانه بما فيها حجر الطيب موضوعة أمام القبر، حيث الملاك تدحرج بعيدا، وجلس بعد قيامة السيد..”.

معجزة سبت النور

ويشير برنار الحكيم إلى ما يسميها المسيحيون الأرثوذوكس معجزة سبت النور فيقول: “يجب أن لا أتجاهل الحديث عن سبت فيض النور، الذي هو عشية عيد الفصح، حيث يجد الداخل إلى القبر قناديل كثيرة معلقة فوقه، فإذا كان صباح السبت السابق ليوم الفصح بدأت الصلاة في الصباح حتى إذا تمت، أنشد الكل بصوت رخيم يارب ارحم، واستمروا في ذلك حتى ينزل الملاك وينير القناديل المذكورة وعندها يتقدم البطريرك ويعطي لكل مطران حصته من هذا النور المقدس، ثم يسمح للشعب بأن ينير كل قناديله”.

ويمكن القول إن شهادة برنار الحكيم هي واحدة من أقدم الشهادات على هذا الطقس المستمر في مدينة القدس حتى الآن. وهذه “المعجزة” تعرضت عبر التاريخ للكثير من الانتقادات والتشكيك، وعندما أمسك الصليبيون بزمام الأمور في القدس قاموا بطرد رجال الدين الأرثوذكس فتوقفت النار عن الظهور مما زاد من شكوك المسيحيين الغربيين، ولكن مع عدم وجود عائدات حج نتيجة لتوقف ظهور النار المقدسة قام بالدوين الأول بإعادة الكهنة الأرثوذكس فعادت النار إلى الظهور من جديد وكذلك عادت إيرادات الحج. وفي عام 1238 م ندد البابا غريغورى التاسع بالنار المقدسة وقال إنها مزورة. كذلك قال الرحالة العثماني الشهير أوليا جلبي إن هناك قنديلا داخل القبر مخفيا من قبل الرهبان ويتم من خلاله إشعال النار.

ويتابع برنار الحكيم حديثه عن مدينة القدس فيقول: “البطريرك الآن يدعى ثيودوسيوس، وقد جرى انتخابه لتقواه حيث كان يقيم في دير يبعد عن القدس خمسة عشر ميلا، والبطريرك يتقدم على جميع المسيحيين في الأرض المقدسة.. وبين الكنائس الأربعة المذكورة يوجد فناء غير مسقوف، جدرانه تتلألأ بالذهب والأحجار الكريمة المرصوفة، وفي وسط كل ذلك، نقطة يقال إنها ستكون منتصف العالم”.

ويتابع قائلاً: “يوجد في المدينة علاوة على ذلك كنيسة أخرى على جبل صهيون، وتسمى كنيسة القديس سمعان، حيث غسل السيد أقدام تلاميذه، وفيها تاج الشوك.. وبالقرب من كنيسة سمعان باتجاه الشرق، توجد كنيسة أقيمت تكريما للقديس ستيفن، حيث المكان الذي يعتقد أنه قد تم فيه رشق السيد بالحجارة، وإلى الشرق كنيسة على اسم القديس بطرس.. في ذلك المكان، إلى الشمال من الهيكل يوجد كنيس يهودي فتحه المسلمون، وإلى الجنوب منه بوابات حديدية حيث استطاع ملاك الرب إخراج بطرس المسجون عبرها، والتي لم تفتح بعد ذلك أبداً”.

وبعد مغادرة برنار الحكيم ورفاقه للقدس، ينحدرون باتجاه وادي يهوشافاط وهو على بعد ميل من المدينة. وهناك قرية الجثمانية حيث ولدت السيدة مريم العذراء. بحسب قوله.

في بيت لحم

ويضيف واصفاً كنيسة السيدة العذراء: “داخل كنيسة القديسة مريم المستديرة يوجد ضريحها، وعلى الرغم من أنه لا يوجد أي سقف فوق الكنيسة إلا أنها لا تمطر عليها أبداً، وهناك أيضا كنيسة في المكان الذي تعرّض فيه سيدنا للخيانة، متضمنة أربع موائد مستديرة لعشائه، وفي وادي يهوشافاط كنيسة القديس ليون، في المكان الذي سيظهر فيه سيدنا يوم الدينونة الكبرى”.

بعد ذلك يذهب هو ورفاقه إلى جبل الزيتون، من المنحدر… ويقول إنه شاهد على جانب من الجبل نفسه المكان الذي أتى فيه الفريسيون للسيد المسيح بالمرأة التي زنت، حيث توجد كنيسة تكريما للقديس يوحنا، ويتم الاحتفاظ بكتابة في الرخام تقول: هنا كتب السيد على الأرض.

ويتابع قائلاً: “على قمة الجبل وعلى بعد ميل من وادي يهوشافاط، مكان الصعود، في الوسط حيث المكان الذي صعد منه السيد، يوجد مذبح مفتوح على السماء، حيث يقام الاحتفال الجماهيري.. ثم انتقلنا إلى بيت عنيا، والتي تقع في جنوب المدينة، وفي صعودنا للجبل،على ارتفاع ميل واحد، هناك دير مع كنيسة تحتوي على قبر لعازر. وإلى الشمال ثمة بركة، وهي التي غسل لعازر نفسه فيها بعد أن قام من بين الأموات بأمر من سيدنا، ويقال إنه أصبح مطراناً لمدينة أفسس فيما بعد لأربعين عاماً.. على المنحدر الغربي من جبل الزيتون يظهر الرخام حيث نزل السيد راكباً على ظهر الحمار، بين الجموع. وإلى الجنوب في وادي يهوشافاط توجد بركة سلوان”.

يغادر برنار الحكيم ورفاقه القدس في الطريق إلى بيت لحم حيث ولد السيد المسيح، ويقول: “في بيت لحم هناك كنيسة كبيرة جداً تكريما للقديسة مريم، في الوسط يوجد سرداب تحت صخرة، مدخله من الجنوب ومخرجه من الشرق، ويظهر المذود الذي وضع فيه سيدنا على الجانب الغربي من السرداب. ولكن المكان الذي بكى سيدنا فيه إلى الشرق فيه المذبح حيث احتفلت الجموع. وبالقرب من هذه الكنيسة إلى الجنوب ثمة كنيسة الأطفال الأبرياء. وعلى بعد ميل واحد من بيت لحم يوجد دير الرعاة المقدس”.

ويزور الحجاج الثلاثة نهر الأردن على بعد ثلاثين ميلا شرقي القدس حيث دير القديس يوحنا، ويقول إن هناك مساحة فيها العديد من الأديرة، ويضيف القول: “على بعد ميل واحد جنوبي مدينة القدس، تقع كنيسة ماملا والتي فيها الكثير من أجساد الشهداء الذين قتلوا ودفنوا فيها بعناية”.

بعد زيارة نهر الأردن يعود برنار الحكيم وصحبه إلى مدينة القدس المقدسة ومنها مباشرة إلى البحر، حيث أخذوا سفينة وأبحروا لمدة ستين يوماً واجهوا فيها مخاطر عظيمة نتيجة الرياح، كما يقول. ومن فورهم هبطوا إلى دير مونس الذهبية، وهو بحسب وصفه “سرداب فيه سبعة مذابح، وفوقه غابة كبيرة، والسرداب مظلم جدا لدرجة أنه لا أحد يستطيع دخوله دون مصابيح. رئيس الدير هناك دوم فلانتاين”. ثم يذهب وصحبه من هناك إلى روما.

وبعد أن يزور كنيسة يوحنا ويصفها بأنها حسنة البناء تكريما للقديس يوحنا المعمدان، وفيها مقر البابا، يقول: “هناك في كل عام تحمل المفاتيح للبابا من كل جزء من المدينة”. ثم يشير إلى كنيسة القديس بطرس في الجزء الغربي من المدينة ويقول غن مساحتها إنها لا تضاهيها مساحة أي كنيسة في العالم، وتحتوي على مجموعة متنوعة من النفائس والزخارف. وفي روما ينفصل برنار الحكيم عن رفيقيه الراهبين ويتوجه إلى دير على اسم القديس مايكل على قمة جبل مشرف على البحر.

شهادة في صالح المسلمين

وبعد ذلك يخصص الراهب برنار الحكيم مقطعاً من رحلته للحديث عن أوضاع المسيحيين في فلسطين ومصر تحت حكم المسلمين فيقدم شهادة مهمة عن طريقة تعامل المسلمين مع المسيحيين المعاهدين، كما أنه يمتدح الأمان في بلاد المسلمين.

يقول في شهادته: “والآن سأقول لكم كيف أن المسيحيين حافظوا على شريعة الله في كل من القدس ومصر.. إن المسلمين والمسيحيين في القدس ومصر على تفاهم تام، حتى أنني إذا سافرت ونفق في الطريق جملي أو حماري وتركت أمتعتي مكانها وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة عدت فوجدت كل شيء على حاله لم تمسه يد. فقانون الأمن العام في تلك الديار يقضي على كل مسافر بالليل أن يكون بيده وثيقة تبين هويته فإذا عدمها زُجّ في السجن حتى يحقق في أمره ويثبت أنه ليس جاسوساً”.

المصدر: العربي الجديد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق