15

نساء حلمي التوني: فن قريب من العين والذاكرة

سناء امين

وجوه أنثوية شرقية ومظهر ناعم يتحقق من خلال الألوان الحالمة، يضيف إليها الفنان تفاصيل قليلة تشير إلى التراث والفلكلور المصري، ثم يملأ الخطوط العريضة بالمزيد من الإشارات، ويحافظ على خطوط أخرى بسيطة للأذن ودقيقة للعين وبعض الملامح الصغيرة الأخرى، وهكذا تكتمل جماليات النساء اللواتي يرسمهن الفنان المصري حلمي التوني (1934)، ويكتظ بهن معرضه المقام حالياً في “غاليري بيكاسو” بالقاهرة تحت عنوان “للنساء وجوه” والمتواصل حتى 21 من الشهر الجاري.

أربعون لوحة، قد تجسد أربعين عاماً منذ أن بدأ التوني في تصوير هذه البورتريهات، فهو يستعيد في بعض منها نساء لوحاته القديمة، واللواتي يمكن اعتبارهن “بطلات” أو “نجمات” أعماله في بداياتها. وعلى الرغم من أن الوجوه تختلف لكن الفنان الواحد الذي يقف خلفها، يرسم التعبيرات الهادئة نفسها والمميزات المحددة بوضوح، والرقة، مولياً أهمية خاصة للعيون، مثلما فعل أسلافه المصريون في وجوه الفيوم، حيث العيون تهيمن على ملامح الوجه الأخرى وتبدو كما لو كانت حاملة لها.

لا تختلف المرأة في لوحات التوني عنها في عرائس المسرح التي كان يعدها، كما أنها تشبه كثيراً الشخصيات المرسومة للأطفال، فلا تخلو نظرة الفنان للمرأة من كلاسيكية حتى على صعيد الشكل، لكنه يعطيها جناحَي فراشة ويجعل الهدهد يهمس لها في أذنها، كما لو كانت كائناً لا ينتمي إلى عالم أرضي، بل يمكنه التحليق ومحادثة الطيور دون أن يبتعد في مخيلته عن الطفولة واللعب. تتكرّر هذه المرأة الفراشة في بعض الأعمال، وهي حالة تخص المعرض الحالي فقط، ويسمّيها الفنان “المرأة والهدهد”.

وإن كان المعرض يخلو تماماً من أي بورتريه لرجل، فإن التوني عموماً قلّما يرسم الرجال في أعماله، وإن فعل فهو يضخّم ملامحهم، ساخراً ومنتقداً من خلال المبالغة في بعض التفاصيل، لافتاً إلى المبالغة التي تُعطى لسلطة الذكور في مجتمعاتنا، فنراهم دائماً بملامح ضخمة خاصة الشارب، وأحياناً يعطيهم شخصيات تهريجية.

يميل التوني إلى الفن الشعبي لأن فيه ملامح من الجذور كلها، فثمّة من يمزج في فنه بين التراث القبطي والإسلامي والفرعوني والأفريقي والعربي، دون أن يفكر في معنى ذلك، بخلاف الفنان الذي يمزج واعياً أثر الفنون التي ينحدر منها والماثل في لوحته والممتزج بشخصياته. من هنا ينتمي التوني إلى الفن بمعناه الشعبي والقريب من العين، البعيد عن التعقيد والتكلف، دون أن يعني ذلك أننا أمام لوحة سهلة الرسم؛ فالتقنية نفسها بحاجة إلى يد خبيرة في هذا النوع من الخطوط الساذجة والطفولية، ومن المفارقة فعلاً أن تحتاج هذه العفوية في الرسم إلى التقنية والخبرة.

يُعد التوني من روّاد مصمّمي الكتب والمجلات والأغلفة والملصقات العرب (صمّم أكثر من أربعة آلاف كتاب، عدا عن المطبوعات الأخرى)، وهو متخصص في التصوير الزيتي إلى جانب التصميم، فقد درس فنون الزخرفة والديكور في “كلية الفنون الجميلة” بالقاهرة، والتي تخرّج منها عام 1958. رسم أيضاً كتب الأطفال واشتغل مصمّماً في مسرح صلاح جاهين.

المصدر: العربي الجديد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق