سينما و تلفزيون

سينما تتحدث «لغة الخواجات»… جائزة الأوسكار بالرائحة المصرية!

كمال القاضي

مشكلة المشكلات في السينما المصرية أنها تضبط بوصلتها على الاتجاه الأمريكي، وتضع بعض الجوائز الكبرى في المهرجانات العالمية مقياساً للنجاح والشهرة والتمـــــيز، ومن ثم تنسلخ بدون أن تشعر من جلدها وتــتنازل عن محليتها، تحت إغراء الشعارات العالمية التي قد تكون غير مناسبة في كثير من الأحيان.
التهليل والتكبير لجائزة الأوسكار التي حصل عليها الممثل المصري الشاب رامي مالك، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية عن دورة في فيلم «الملحمة البوهيمية»، وضعت الكثير من علامات الاستفهام في محاولة لفهم السيكولوجية الجمعية للجمهور السينمائي، الذي يفخر بأن مصر كانت من أوائل الدول التي شاركت في المهرجانات العالمية، كمهرجان «كان» الفرنسي، الذي شاركت مصر في دورته الثانية بثماني أفلام، قبل أكثر من نصف قرن، ثم يعود ليرقص طرباً من فرط الفرحة لمجرد جائزة مُنحت لشاب أمريكي من أصل مصري.
متاجرة بائسة ويائسة بامتياز، وصلة واهية لا تعكس سوى التهافت والمماحكة في نجاح ليس مصرياً وليس عربياً، كان عمر الشريف وداليدا نموذجين حقيقيين لعالمية فرضت نفسها ونالت الاستحقاق الكامل من مصريتها المحضة، اسماً ومعنى، وكان نجيب محفوظ ومصطفى العقاد ويوسف شاهين رموزاً لنبوغ تجاوز الحدود والأطر العربية، واخترق المدارات العالمية واجتاز الموانع والحواجز بكل جدارة، فصار علامة دالة على أصحابه.

الأوسكار وإن كان آخر حدود الفوز، ليس الوحيد في عالم الجوائز الكبرى، غير أنه وهذا هو الأهم يمثل مؤشراً للتوجه السياسي في عملية التقييم والتقدير والمنح، يسيطر عليه اللوبي الصهيوني بالأمر المباشر أو بالإيعاز، فلم نسمع أن فيلماً عربياً حصل على فرع من فروع الجائزة في أي جانب من جوانب الإبداع السينمائي، ولو أتيحت الفرصة أمام العلامات من الأفلام العربية والمصرية، لكان لها نصيب الأسد من الفوز، ولعل المفارقة بين عالمية الأفلام ومستوياتها الفنية الفائقة، وحرمانها المتعمد من الجوائز، خير دليل على التمييز السالب للحقوق، «فأسد الصحراء عمر المختار» واحد من أهم أفلام النجم الأمريكي أنتوني كوين، لم يُرشح للأوسكار، ولم يحصل عليه، لأنه عربي، عربي في جوهرة ورمزيته ودلالته السياسية والإنسانية والبطولية. وأيضاً فيلم «الرسالة» لم يُلتفت إلية للأسباب ذاتها، وحتى أفلام يوسف شاهين التي حصل بعضها على جوائز عالمية معتبرة، ومنها «المصير» و«المهاجر» و«حدوتة مصرية» لم تنل الرضا الأمريكي في «أوسكارهم» المقـــــدس، ولا يمكن أن ننســــى واقعة سحب الجائزة في الساعات الأخيرة قبيل إعلانها من الفيلم الفلسطيني «الجـــنة الآن» للمخرج هاني أبو أسعد، قبل عدة سنوات بضغوط مكثفة من اللوبي اليهودي، للحيلولة دون تمييز السينما الفلسطينية ومنحها الشرعية العالمية، كإبداع مهم له مساحة واسعة على الخريطة الدولية.
كل هذه أمارات وقرائن على عدم موضوعية الأوسكار، كجائزة عالمية ينبغي أن تخضع لشروط موضوعية بعيداً عن حسابات السياسة والجنسية والمواطنة، ومن يرى أن الممثل الأمريكي ـ المصري حصل عليها لنزاهتها فهو واهم لأنها لم تُمنح لتميزه الفني وحسب، ولكنها ذهبت إليه على خلفية الدور الذي قام به، والسياق الذي وضعت فيه الشخصية الدرامية والحقيقية للمطرب ومؤلف الأغاني والموسيقي فريدي ميركوري، قائد فرقة كوين الموسيقية، بظروفها وملابساتها الخاصة جداً، ولهذا جاءت الجائزة وهي التي لم تذهب عبر تاريخها كله لفيلم عربي واحد.. لا فيلم «الناصر صلاح الدين» ولا «الأرض» ولا فيلم «باب الشمس» ولا فيلم «المتمردون» ولا «المخدوعون» للمخرج الراحل توفيق صالح، ولا «أرض الخوف» ولا «الكيت كات» للمخرج داود عبد السيد، ولا لغيرها من الأفلام الأحدث، «الأصليين» و«تراب الماس» و«أخضر يابس» و«جريمة الإيمو بيليا» و«ورد مسموم»، وهي نوعيات سينمائية جديرة بالمنافسة تم ترشيح، بعضها أو كلها من قبل المؤسسات المصرية المعنية بالاختيار والترشيح لتمثل مصر في مسابقة الأوسكار، وبالطبع ذهبت الأفلام وعادت بخفي حنين، لا تحمل سوى شرف المحاولة. وهي الأزمة المحبطة التي تتكرر كل عام نتيجة اللهاث نحو الحُلم المفقود، والاعتقاد الراسخ لدى الغالبية العظمى من السينمائيين والمهتمين، بأن الأوسكار هي جواز المرور للعالمية، وصك الاعتراف بأن من يحصل عليها هو الأهم والأكثر تميزاً وتألقاً وإبداعاً.

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق