إضاءات

هذهِ ليست كِتابة.. إمبراطورية الضُّوء /لانا المجالي – الأردن

 

الجسرة الثقافية الالكترونية – خاص – 

 

 

(1) البَحث عَن مَعنى 

_______________

 

– هل رأيتها؟ 

– من؟ 

– الفرشاة.

– ذهبت إلى غرفة النّوم. 

– لماذا؟

-إنّها الثانية عشرة منتصف الحرب.

– والألوان؟ 

-“آآآ”، تلك حكاية أخرى.

.

.

 

إنني أدركُ تماما إنِّ السؤال: “لماذا ترسم؟” يخرجُ عن سياقِ المنطق أولا، والفن ثانيا، والشَّغف ثالثا، والحواس رابعا وخامسا وعاشرا؛ لأنّ خلق الجمال غاية أعلى من غاية البحث عن معنى. 

إذن، ماذا أفعلُ هُنا؟

أنزعُ عن “الجمال الفني” صفة “المفعول به” المنصوب بالإطار على جدارٍ فوق الطاولة في غرفة الطعام، وأعيد له حقّه بتناول “صحن الحساء” على الطاولة مثل أيِّ “فاعل” مرفوع بالاستشراف والرؤيا. 

والحقيقة، أن فكرة “الجمال الفني الفاعل” المؤثِّر /القائد/ المزارع/ المفكّر/ المعلِّم/ المحاسب/ الطبيب الجرّاح/ المهندس/ …الخ، لفت إليها الرَّسام البلجيكي، رينيه ماغريت(1898-1967)،عندما قال: “يجب أن يخدم الرَّسم أي شيءٍ آخر غير الرَّسم”… وهي المقولة التي نرغب باختبارها من خلال جولة سريعة على ثلاث محطات، أو لوحات لـ”ماغريت” المدهش، لنقرر بعدها إن كان “الجمال الفنيّ” يصلح كقوةٍ فاعِلة قادرة على رصد وتحليل الظواهر، واقتراح الحلول لها، أم أنّ علينا التعامل معه بمنطق العصفور الملوّن والقفص. وسواء كان طرحنا قابلا للتطبيق أو للإعدام شنقا حتّى النّسيان، فإنَّ مسؤوليتنا الضمائريّة تحتِّم عَلينا أن ننتصر للجمال على حسابِ البشاعة، ولن يحدث هذا إلا إذا اتفقنا على ضرورة إنقاذ الفنّ مِن “اللاأباليّة”، والذّائقة مِن “البيات الموسميّ”، والعقل مِن “شلل الأطفال”.  

 

وقبل أن ننتقل في جولتنا تلك، أود الإشارة إلى أنني قصدت تجاهل التعريف بسيرة الرّسام رينيه ماغريت، لأنّه ليس مدار البحث بل لوحاته؛ ثلاث منها على وجه الدقة. 

 

(2)  المشكلة/ “خيانة الصّور: هذا ليس غليونا” 

_______________

 

في (1928-1929) رسم رينيه ماغريت لوحته “خيانة الصّور” بأسلوب كلاسيكي، جعلها تبدو أقرب ما تكون إلى الصّورة الفوتوغرافيّة، وهي عبارة عن رقعة يتوسّطها غليون، وكتب تحتها بالفرنسيّة: “هذا ليس غليونا”. 

 

كيف نستطيع أن “نقرأ” (الصّورة /اللوحة) في ظل العبارة “التحريضية” التي أحرجنا بها ممثِّل السورياليّة البلجيكيّة؟

 

القراءة الأولى تقترح أنَّ الأشياء ليست كما تبدو عليه، وهي القراءة التي يدلنا عليها “ماغريت” نفسه وهو يقول متهكما: “الغليون الشهير. لم يتوقفوا عن انتقادي، ومع ذلك، هل تستطيعون حشوها بالتبغ؟ إنها صورة. لذا، إذا كتبت تحت لوحتي: (هذه ليست غليونا، هل كذبت؟)”.

فالمتأمل في اللوحة يدرك آجلا أم عاجلا، إن ماغريت لم يكذب، وأنَّ الصّورة –أي صورة- هي كيان “مُختلَق” لا ينتمي إلى جنس الكيان”الأصل”، وسأسمح لنفسي بالاستطراد لأخبرك أنه عليك- صديقي القارئ- أن تفتخر بأنك أنت أنت، لا صورتك، ولك-أيضا- أن تحاول سبر أغوار ذاك الذي ينتحل شخصيتك في “جواز سفرك” أو “ألبوم” ذكرياتك.  

وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة- الخلط بين الصورة والأصل- يرى الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل (1872-1970)/ (ما وراء المعنى والحقيقة) أننا–جميعا- نبدأ من “الواقعية السّاذجة”؛ أي من عقيدة أنَّ الأشياء هي ما تبدو عليه. 

 

وفي قراءة ثانية نخلص إلى أنّنا لا نستطيع رؤية الظّاهر بشكل حقيقي وكامل، ولكن: ” أن يكون الفن ظاهرا، إذن، فإنَّ له ظاهرا خاصا به، وليس ظاهرا بحتا”؛ بتعبير الفيلسوف الألماني “هيغل” (1770-183). 

 

حسنا، من المؤكد أن استعراض جميع القراءات ليس هدف هذه المقالة، فلكلِّ منا طريقته الخاصة في تحليل هذا التحريض المبدع، إلا إنني سأذهب إلى المحصّلة وأوجزها بـ:” الصّورة خادعة، ولها زوايا متعددة، ونظرتنا البشريّة محدودة ومن السّهل التأثير عليها والتلاعب بها، ولا نبذل –في المقابل- أيّ جهود لرؤية الأشياء بشكلها الحقيقي، أو رؤيتها كاملة أو من زوايا أخرى؛ (لأنّه من السهل أن تنظر إلى العالم من نافذة واحدة) كما قال رينيه ماغريت”، وهذه المحصّلة وتداعياتها هي “مشكلة البشريّة” والسبب الرئيس في الجّحيم الذي عشناه. الجّحيم الذي نحن فيه. 

 

وقبل أن يوقفني أحدكم هنا، معترضا على اختزال مشكلتنا بـ”خيانة الصّور”، فلنتذكر أنّ الصورة الفنيّة أو ظاهرها، وهي القابلة للقياس الكمّي-بشكل أو بآخر- تخون غالبا أو أحيانا، فما بالكم بالأفكار والمبادئ والعقائد والإيديولوجيات والرغبات والعادات والتقاليد …الخ، وهي النسبيّة غير القابلة للقياس؟. 

 

 (3) السّبب … ” ابن الإنسان”

_____________________

 لوحة” ابن الإنسان” (1964) عبارة عن “بورتريه” لرجل بمعطف أسود وقبّعة مستديرة، وقميص أبيض، يقف تحت سماءٍ غائمة وأمام سورٍ منخفض لا يحجب البحر، لكن ..انتظروا؛ لن يتركنا صاحب اللغزويّة الفنيّة “رينيه غاريت”، نستمتع بالمشهد دون أن يدسّ لنا “عقبة” صغيرة بحجم تفّاحة خضراء تغطي أكبر مساحة ممكنة من وجهه. 

 

ويبدو أنَّ “ابن الإنسان” بعنوانها اللافت وتفاحتها “المستفزّة” أثارت الكثير من القراءات، منها على سبيل المثال؛ اعتقاد بعضهم أن عنوانها قد يكون مستمدّا من الإنجيل، أي أن ابن الإنسان هو آدم عليه السّلام، ما يقود إلى معنى يشير إلى استمرار خطيئته بأكل الفاكهة التي حذّره منها، بدليل الملابس العصريّة التي يرتديها، وهناك أيضا ما لمّح إليه رينيه غاريت عندما قال: “كل شئ نراه يخفي خلفه شيئا آخر، والإنسان يتوق على الدوام إلى رؤية ما يختفي وراء ما يراه”. 

 

وحتى نكمل الطريق الذي بدأناه  في مغامرتنا هذه، فإنني أميلُ إلى القراءة التي تقول إنّ فكرة الإنسان عن العالم مقتصرة فحسب على ما يشاهده أمامه، وأنّ ما يراه في الواقع ليس أكثر من انعكاس لنفسه وأفكاره ومعتقداته وخيالاته الخاصّة. 

 

أي أنّنا نستنتج إنَّ “ابن الإنسان” تطرح السؤال العميق :هل نرى العالم على حقيقته، أم أننا نبتكر صورة مزيّفة للواقع تشبه عقلنا الباطن؟ أو –بمعنى آخر- هل نرى العالم على حقيقته أم كما نحبّ أن نراه؛ بما يتوافق مع مصالحنا ومعتقداتنا وأحلامنا وعاداتنا و…الخ؟. 

 

ماذا يعني كل هذا؟ وكيف نستطيع تبرير إطلاق وصف “السّبب” على لوحةٍ رسمها فنّان قال منذ البداية إنّ الرّسم لا ينشغل بالرّسم فقط؟ .. الأمر بهذه البساطة؛ أنا وأنت نختلف في وجهات النظر لأنّنا لا نرى الأمور بنفس الطّريقة. كلّ صاحب مُعتقّد يختلف مع أصحاب المُعتقدات الأخرى لأنّ العالم الذي يصبو إلى إخضاعه لمصلحته يختلف عن العالم الذي يحاول الآخرون تطويعه، كذلك الدّول وكلّ القوى العظمى. 

 

باختصار: 

أنْتَ تهدرُ دمي، يا شريكي، لأنّك تحسب الوردة في يدي، بندقيّة.

وأحسبُ دمك، ماء.  

 

(4)  الحلّ … “إمبراطوريّة الضّوء” 

_____________________

 

ما زال الجمال الفنيّ يقودنا في هذه المغامرة، منذُ القبض على مشكلة البشريّة في (خيانة الصُّور: هذا ليس غليونا) ، وتشريحها في ( ابن الإنسان)، إلى هذه النهاية المقترحة لعالمٍ اسمه (إمبراطوريّة الضّوء).

 

في واحدة من أجمل لوحات “ماغريت” وأكثرها شاعريّة “إمبراطوريّة الضّوء” أو “إمبراطوريّة النّور”/(1950)، يقول الجمال الفنيّ كلمته؛ إذ يقدّم للبشريّة أنموذجا للتعايش بين المتناقضات أو “الرّؤى المختلفة”، فاللوحة في نصفها السفلي عبارة عن مشهدٍ ليليّ لبيوتٍ أنيقة وادعة تغفو في شارعٍ هادئ، فيما الضّوء يلقي بتدرجاته وظلاله على المكان، أمّا نصف اللوحة العلويّ فهو مشهد نهاريّ لسماءٍ مُثقَلة بالسُّحب. 

 

عالم “ماغريت” المُتخيّل، أو مدينته الفاضلة يقترح/تقترح علينا إمكانية جمع الأضداد –حتى لو كانت متطرفة-  تحت سقفٍ واحد أو سماء واحدة؛ اللّيل والنّهار. العتمة والنّور. السَّكينة والغضب، ولا ينسى في لوحته إن يبرز “تدرجات الضّوء”؛ في إشارة منه إلى الاتجاهات الوسطيّة، وهو ينقل لنا هذه المفارقة كي نتمكن من لمس ما نحلم به، حيث أنّ الإنسان غير قادر على إدراك أو قبول ما يجهله. 

 

هل نستطيع جمع التناقضات (الأفكار، والمعتقدات، والعادات، والرّغبات، و…الخ) في عالمٍ واحد؟ ..نعم، أنا وأنت/ الرّجل والمرأة / الأخذ والعطاء/ الشيخوخة والطّفولة/ الخير والشرّ/القوّة والضّعف/الفرح والحزن/الضّحك والبُكاء.  

 

نحنُ ، يا شريكي، نحمل ضدّنا داخلنا، حيث يتخذ كلّ ضدّ معناهُ مِن ضدّه؛ إذ لا نور بلا ظلام، ولا خير بلا شرّ، ولا حياة بلا مَوْت، فلماذا نضيقُ بِنا في كونٍ يتّسع للجميع؟. 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق