إضاءات

سرديات تتداخل فيها الحكاية والقصة القصيرة والتوليف اليومي للبشر

الجسرة الثقافية الالكترونية –

هاشم شفيق

نص روائي مفتوح على السيرة الذاتية وتوابعها من تداعيات للذكرى، وما تحفل به الذاكرة من خزين للذكريات الجميلة والحزينة، المرة والحلوة، الناكصة والمتوثبة، الحالمة والمنكسرة، وما يرشح عنها من أيام وأعوام وعقود رسبت في قاع الروح، وفي باطن الذهن المتوقد والمتحفز، والمترع بتفاصيل حياة بعيدة، تلك التي يسترجعها ويستعيدها في فصول روائية آسرة الشاعر والكاتب اللبناني عبده وازن، في روايته الجديدة «غرفة أبي» الصادرة عن منشورات «ضفاف ـ الاختلاف» في بيروت العام الماضي.
يبني عبده وازن من سيرة الأب هرماً روائياً، يبنيه من ملامح وعِبَر وحكايات وأساطير يومية لكائن بسيط ومتواضع يعمل في إطفائية تابعة لشركة فرنسية، الابن المفتون بسيرة الأب والمتعلق بجمال روحه وطيبته العائلية التي لا تشبه حتى جده الذي ولد من صلبه، فالجد مبذر ومحب للنساء، والعم كذلك، إلا أن أباه من طينة مغايرة ومختلفة، فهو كائن متوازن، معتدل، ليس لديه موبقات وحكايا تجرح شخصية المرأة التي هي زوجته، بل على العكس، كانت سائدة في خصاله، الخصلة الوفية، والنبرة الحكيمة المجبولة على الصدق والنوايا الصحيحة .
هذه المزايا هي التي جعلت الابن يبني من مسيرة الأب المستقيمة سيرة جمالية وافية، لكائن وجد فيه شخصية تتمتع بعوالم روائية، لطالما وجد شبهاً لها في سِيَر كتاب آخرين من شتى الاتجاهات والمشارب، مثل كافكا وحكايته مع أبيه .. إنها حكاية مرة تلك التي يكتبها كافكا في رسالة لأبيه، رسالة لم يقرأها الأب، فتظل مطوية ضمن كتاباته وأوراقه الكثيرة، متحدثاً عبرها عن جبروت الأب، وسطوته وظله الكبير الذي كان يغطي حياة كافكا «كنت انسحق بمجرد وجودك أمامي»، هكذا كان يقول كافكا في رسالته، وربما هي التي حفّزت الكاتب عبده وازن على كتابة روايته التي لا تغفل أدب الرسائل وفنه وهي تخوض غمار هذه التجربة البوحية، فهي رسالة بدت بمثابة عمل روائي طويل، فيه معمار فني يجمع أدب الرسائل إلى أدب السيرة إلى أدب المسرح في مخاطباته في ديالوغ طويل ومتشعّب، يجعل من الحياة مسنودة بحياة الأب، عالماً قائماً على الحكايا والتفاصيل الصغيرة والمرايا المتبادلة، بين صيغة الأب وصيغة الابن، خصوصاً حين يكتب الابن عن أب أصبح هو أكبر منه حين بدأ في سرد مسرده الروائي، أب رحل وهو لم يزل شاباً في منتصف الاربعينيات، حين خانه قلبه في لحظة مفاجئة في فترة الستينيات وتجليات تلك الفترة الزمنية الناصعة، قبل ان تلوّثها الحرب التي شهدها الابن الوارث عن أبيه مرض القلب الذي لم يجعل منه كما جعل من الأب فريسة، بل يتخطاه عبر الحظ والانتباه والعلم الذي تقدم كثيراً قياساً بتلك الأزمنة.
من خلال صور قديمة، كان يراها في علبة محفوظة لدى الأم، يبدأ مشوار الرواية، مدعوماً بزمان ومكان وخفايا وظلال تلك الصور التي تم التقاطها بالأسود والأبيض، وهي رغم ذلك قليلة، ولكن الراوي يتخذ من الصورة عتبة لنصه ومفتاحاً رمزياً ليلج عوالم الأب، فيذهب في رحلة استكشاف، سائلاً عنه أصدقاءه القدامى، وأقرباءه وجيرانه، مستقصياً محيط العمل في أمكنة ليست كثيرة بل محدودة، من ضاحية بيروت الشرقية، متنقلاً من زمن إلى آخر، حتى الزمان هو بخيل ومحدود هنا لِقِصَر عمر الأب وسنوات عيشه القليلة. لكن الراوي الذي يتحدث بصيغة المتكلم وهو الابن، يستطيع ان يلمّ بكل هنيهة وبارقة وتفصيل صغير شغل حياة الأب القصيرة .
حياة الأب في الرواية، تستدعي، دون شك، حياة الأم وسيرتها، كيف تعرّفت على الأب، وهل عرفت أحداً غيره قبل ذاك؟ وان عرفت فمن هو ذلك الغريم الذي سبق الأب في حب المرأة التي ستكون الأم؟ من هنا يذهب الراوي إلى البحث والسؤال عن الكائن الآخر، الذي استلطفته الأم في مطالع حياتها وهي لم تزل صبيّة، ويُعرّج ليتحدث عن العم العاشق للنساء والشراب، رابطاً هذه العلاقة بالأب، وكيف كان يتصرف مع أخيه، كونه كان متزوجاً ويسيء التصرف مع زوجته عبر خيانتها مع العشيقة وفي سرير نومها، وعن علاقة الأب بالجد كذلك، وبشأن البيت وما يترتب عليه من أمور وشؤون مشتركة لتربية الأولاد الذين باتوا يفدون إلى الحياة المشتركة بين الأب والأم.
تُظهر الرواية تفاصيل الزمن الجميل لبيروت في حقبة الخمسينيات والستينيات، وصولاً إلى منتصف السبعينيات، أيام البراءة والعيش البسيط، قبل مجيء التلفزيون والفيديو وسيطرة العالم الآلي على الحياة العامة، حياة المقاهي والشوارع ودور السينما والأسواق القديمة.
من هنا لا يعدم الراوي تفاصيل تلك الحياة، حين كان صبياً وشقياً إلى حد ما، أيام سينما الريفولي وشارع المتنبي وحياة الليل التي كانت سائدة في تلك الآونة، حتى وقوع الحرب الأهلية وتورط البعض من صحبه فيها، ومن ضمنهم ذلك الميليشياوي الذي فجّر رأسه في لعبة الروليت الروسية، عبر رهان ما، وما كان يحسب الراوي لهذا الفتى ان يصل إلى تلك المرحلة من المأساة العنيفة، وهوالشاب القصير والخجول الذي لا يُعرف عنه حس المغامرة.
يتحدث الراوي، وهو يتجول في بيروت القديمة، من خلال الأم أو الأب أو الأصدقاء، عن ساحة الشهداء ونصب الشهداء الذي كان رمزاً لذلك المكان، قبل ان يخترق الرصاص الشهداء وهم في نُصْبهم النحاسي، ليموتوا أكثر من مرة، وعن ساحة النجمة وما جاورها من أزقة وعطفات، سكنتها حياة صاخبة، في فترتي الأربعينيات والخمسينيات، والصراع السياسي الدائر ما بين القاهرة وبيروت إبان حكم كميل شمعون، والإنزال الأمريكي الذي تم حينها لحماية حكمه من السقوط. ويعرّج الراوي أيضاً وهو في ميعة الصبا إلى الزيتونة لرؤية بائعات الهوى والتفرّج عليهن وهن يستعرضن أشكالهن في الشارع الشهير في تلك الحقبة، ومن ثم يمرّ وهو صحبة أمه عندما كبُرَت إلى شارع الجميزة، لتتذكر وهي في سن متقدمة مقهى القزاز ودَرَج جعارة والمكان الذي قتل فيه القاتل الشهير إبّان الأربعينيات فكتور عواد، قاتل النسوة ومقطع أوصالهن، فمقهى القزار كان هو مرآة الأب كلما مرّ الابن ليرى صورة الأب الغائب مرسومة من وراء زجاج المقهى، متخيّلاً إياه يلعب النرد مع أصحابه ويدخن النارجيلة.
ينعي الراوي أيضاً، دون هوادة، الزمن المتسارع، زمن الحداثة وما تلاه من تطوّرات مسّت العمق الداخلي لفؤاد الرومانسية، متذكراً التقنيات الحديثة وآلتها الجهنمية وكيف بدأت تتقدم من حالة تلو أخرى صوب التطوّر الذي لا نعرف إلى أين سيفضي، مستذكراً في ذلك زمن البطء، مقرّضاً في طريقه الروائي التشيكي ميلان كونديرا في روايته البديعة «البطء» أو التمهل، زمن التسكع والزمن الطويل الذي لا ينتهي من النزهات والسير نحو الطبيعة التي تكاد تغيب شيئاً فشيئاً في زمن الشراهة والسرعة والواقع الافتراضي وعالمه الذي اختصر الكون إلى قرية صغيرة، يتحرك فيها الناس وهم خلو من المشاعر والأحاسيس التي لا يمكن ان تعكسها الشاشة الصغيرة لعالم الكومبيوتر وملحقاته من أجهزة دقيقة، مستعيداً، أي الراوي، الذي هو الابن زمن الطوابع البريدية والرسائل والحبر والأقلام والخطوط، والحالة النفسية المصاحبة لكاتب الرسائل وهو يبعث بما سطرته يداه من كلمات زرق على ورق مختلف ومتنوّع وملوّن .
في سرده الفاتن هذا يمر المؤلف أيضاً على الراديو، متذكراً الراديو الصغير في الصالة وإبرته التي تتحرك مع حركة الزمن يميناً ويساراً مع وشوشة خفيفة وهي تدور على محطات العالم، ولعل استعادة فيلم وودي ألن «أيام الراديو» تحمل أكثر من دلالة بليغة يدفع بها الراوي إلى تلك الأيام الخوالي، أيام القص وسردها في البيوت والتجمع حول الراديو من أجل أغنية أو سماع خبر ما، زمن الفونوغراف والإبرة الدائرة بمفعول الزمن وهي تحمل صوت فيروز وأعمال الرحابنة، زمن الأصحاب الذين يتجمعون حول الكاسيت حين ظهر ليستمعوا إلى ما يبتغون، زمن اللهو والسينما، والبصبصة على بنت الجيران ..انه باختصار زمن الأب والوسائل الأولية للحياة ووسائطها البديعة، مثل الترام الذي كان يشق العاصمة بيروت بتنقلاته وحركته التي كانت تشق القلب الزمني لبيروت أيامئذ .
إذاً «غرفة أبي» للشاعر والكاتب عبده وازن، هي عبارة عن سرديات تتداخل فيها الحكاية والقصة القصيرة جداً، والتوليف اليومي للبشر في مسامراتهم وأحزانهم، في سِفْرهم الطويل مع الزمن وابتداعاته المتواصلة، ولا يفلت الشعر أيضاً في منحاه النثري من هذه الأجواء الشاعرية، للتوليفة التي كان يتمتع بها لبنان قبل الحرب الأهلية، أي زمن الأب بكل تجلياته الماضية، قبل الوصول إلى أجواء النكوص والحروب والخراب والدمار الذي حصل في أزمنة لاحقة.

ان لحظة الرواية تبدأ منذ تولي الابن الأكبر، الذي هو الراوي، غرفة الأب لتكون له كمكان للعيش، بعد ان خلت من الرائحة الأولى للجسد، بكل ما يحمله هذا البعد البيولوجي من معنى، لكن الصورة المعلقة على الحائط للأب تبقى تذكّر وتشير وتدل إلى كل شيء مضى من عالم الأمس.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق