فن تشكيلي

ثلاث تجارب في حجرة غسيل

الجسرة الثقافية الالكترونية

*محمد عمران

 

لم يخطر على بال أحد من الفنانين الثلاثة، عبد الرحمن قطناني (فلسطين)، دانييل بوبي (إيطاليا)، رودريغو ساسي (البرازيل)، أنهم سيجتمعون يوماً في “حجرة غسيل” ليعرضوا أعمالهم. “جميلتي الغسالة العمومية”، الاسم المستوحى من فيلم المخرج البريطاني ستيفان فريرز، هو عنوان معرضهم المقام أخيراً في “مدينة الفنون” في باريس.

في بداية الأمر، كانت النية إقامة معرض مشترك يضم أعمال الفنانين الثلاثة في صالة عرض، قبل أن يختاروا لاحقاً حُجرة الغسيل كمكان للعرض، نظراً إلى أن أعمالهم المفاهيمية، التي تدور حول موضوعتي التحول والتغيير، تنسجم مع حالة هذا الفضاء البديل.

يداهمنا عند دخولنا المعرض/ حجرة الغسيل، صوتٌ طاغٍ لحفارة بناء. إضاءة المكان تتغير بحسب إيقاع الحفارة، فتضعف وتتقطّع مع صوت الحفر، وتستقر مع انعدامه. نكتشف لاحقاً أن هذه البيئة الصوتية الضوئية هي جزء من عمل فيديو/ تجهيز للفنان الإيطالي بوبي نشاهد فيه، على شاشة تلفاز قديم، مثبتة أمام شاشة عرض حديثة، صوراً متلاحقة لرجل في طور التحول إلى مستذئب.

تتسارع الصور، المأخوذة من فيلم قديم، بحسب إيقاع صوت الحفارة أيضاً. تشكّل الأفلام المنتجة في الستينيات والسبعينيات مادة الفنان التي يعيد صياغتها، “تدويرها”، ليقدّمها ضمن بيئة عرض مبتكرة تعكس مفهومه للتحول.

على الجدار المقابل تتوزع، بشكل متشظٍ، تأليفات ذات خطوط ليّنة، هي في الأصل ألواح خشبية جمعها الفنان البرازيلي ساسي من مخلّفات ورشات البناء في باريس لتجسد علاقته بالفضاء المديني والتحولات العمرانية.

أما في صدر الصالة، فترتفع بشكل عمودي زوبعة مصنوعة من الأسلاك المعدنية الشائكة، اختار الفنان الفلسطيني القطناني أن يضعها مباشرة أمام غسالة الملابس. صوت الغسالة أثناء الدوران يدفع المتلقي إلى تخّيل حركة وهمية للعمل. “هذه الزوبعة التي بدأت منذ أكثر من ستة عقود، تلتهم أحلام الناس وحياتهم في المخيم وتأخذهم نحو المجهول”، يشرح الفنان.

يعدّ العمل امتداداً لتجربة القطناني (1983) التي ترتكز، بشكل أساسي، على المواد الموجودة في مخيمات اللجوء، مثل بقايا الحديد وألواح الأترنيت، إضافة إلى الخشب والقماش. هي المواد نفسها التي يعيد أطفال المخيمات تدويرها ليبتكروا منها ألعابهم. “بدأت بالعمل لدى مراقبتي الأطفال وهم يلعبون ويخترعون ألعابهم من الشريط الشائك تارةً، أو من سياج الحدود تارةً أخرى. كان هذا الأمر بالنسبة إليّ دعوة للتصالح مجدداً مع المخيلة التي من شأنها أن تكسر كل الحدود”، يقول الفنان معلقاً على هذه الفكرة.

إعادة تدوير المواد، واستخدام النفايات في إنتاج أعمال فنية، مفهوم قديم في الفن، لكن ما يبدو جديداً في هذا المعرض، عدا عن طرافة فضاء العرض، هي الرسائل الاجتماعية والسياسية غير المباشرة في الأعمال التي تعبّر عن قلق الفرد تجاه المتغيّرات المجتمعية العنيفة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــ

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة