متابعات ثقافية و فنية

احتفالا بيومها العالمي: تدشين لجنة الفلسفة بالجمعية العمانية للكتاب والأدباء

الجسرة الثقافية الالكترونية

ماجد الندابي #
احتفلت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء باليوم العالمي للفلسفة بطريقة جديلية تتناسب مع طبيعة الفلسفة، وقدمت فيها ثلاث أوراق عمل، بالإضافة إلى تدشين لجنة الفلسفة التابعة للجمعية، وذلك تحت رعاية الشيخ سيف بن هاشل المسكري، وذلك بمبنى الجمعية في مرتفعات المطار.
في بداية الأمسية التي قدمتها الكاتبة ابتهاج يونس، تحدث خميس العدوي رئيس جمعية الكتاب والأدباء عن دور الفعاليات الثقافية التي تطرحها الجمعية في تقريب بعض المفاهيم من المجتمع وكذلك ترسيخ العمل الثقافي فيه باعتبار الجمعية إحدى مؤسسات المجتمع المدني، وقد حاولت الجمعية في الفترة الماضية أن تتناول الجوانب التي لم يتم تغطيتها من قبل المؤسسات التي تعنى بالثقافة في المجتمع، فانبثقت من هذه الفكرة مجموعة من اللجان، فقد تم تدشين «لجنة التراث غير المادي» سابقا، واليوم يتم تدشين «لجنة الفلسفة» مبينا أن العمل الفلسفي بشكل عام هو عمل إنساني أصيل وهو موجود بوجود الإنسانية، والفلسفة أبعد غورا من أن تحصر بداياتها في الفلسفة اليونانية، فالهنود والصينيون والحضارات الأخرى السابقة كانت تقوم بأنواع وصنوف من التعامل والتفكير الفلسفي ولكن المدرسة اليونانية طورت هذا العلم.
كما أن الحضارة الإسلامية كان لها دور وإسهامات في الجانب الفلسفي، ولكن يبقى السؤال الجدلي قائما هل ما زالت الفلسفة قائمة أم أنها ختمت وانتهت؟ ولكن الواقع يؤكد أن الفلسفة لا يمكن ختمها، فالتخصصات الحديثة كالاقتصاد والاختراعات تقوم بطرق تفكير لها أصول في الفلسفة.
وأوضح العدوي أن الجمعية من خلال هذه اللجنة تشارك الإنسان العماني عملية الاقتراب من روح الفلسفة.
ومن ثم تحدث الكاتب سعود الزدجالي أحد أعضاء لجنة الفلسفة عن اللجنة واهتماماتها وأعضائها، ولكن قبل ذلك تناول تساؤلات منها: متى يمكن للفلسفة أن تكون ماثلة في الأشياء والأفكار؟ وكيف نخرج من ثنائية الوجود والعدم إلى ثنائية أخرى وهي الحضور والغياب؟
كما تحدث الزدجالي عن الاجتماع التأسيسي الأول الذي تم فيه مناقشة الأهمية القصوى للجنة الفلسفة بما يخدم الشأن العام من حيث جلب الاطمئنان للمجتمع تجاه القضايا الفلسفية، والقيام بالدور المتزن في مشاركة المواطن بقضايا مجتمعه. مبينا أن اللجنة تسعى إلى تحقيق العديد من الأهداف في مسارها المقبل، مثل تحسين صورة الفلسفة في الرأي العام العماني بشكل خاص والعربي بشكل عام. وإصدار ملحق فصلي يعنى بالقضايا الفلسفية مع جريدة الرؤية. وإقامة حوار شهري يتم فيه استعراض القضايا الفلسفية والفكرية والأطروحات المتعلقة بهذا الشأن. ومن الأهداف المهمة أيضاً تأسيس قاعدة بيانات للعمانيين المهتمين بالفلسفة إلى جانب إقامة فعاليات تناقش من خلالها المفاهيم الفلسفية مع المهتمين، واستضافة المفكرين والفلاسفة في هذا الشأن. وقد تم تعيين خميس بن راشد العدوي رئيسا للجنة، وعلي بن سليمان الرواحي المشرف العام على الأنشطة والفعاليات.
بعد ذلك قدم الباحث خالد بن مبارك الوهيبي ورقته البحثية التي اختار لها عنوان «فلسفة اللسان العربي وتطوره بديلا عن العنوان الذي أعلن عنه سابقا وهو «فلسفة نشأة اللغة العربية وتطورها» ذلك أن مصطلح اللسان أكثر دقة من مصطلح اللغة في ما يتعلق بورقته لأن اللغة لها علاقة بـ«لغى يلغو» وتحدث فيها الكثير من التطورات والتغيرات على المستوى الزمني، كما تناول الوهيبي النظريات التي تحدثت عن نشأة اللسان منها نظرية «المواضعة ونظرية السننية».
وقسم الوهيبي الورقة إلى محورين رئيسيين: بحث المحور الأول في اللسان العربي في زُبُر الأولين: وتطرق إلى الثنائية المرتبطة «اللسان العربي» التي عرفت ودونت في زُبُر الأولين، فأصول الرسالات ولسانها العربي كما تذهب الورقة كان ثاوياً في زبر الأولين. أما المحور الثاني فقد خصصه الباحث الوهيبي في «اللسان العربي والسننية الكونية»، وتناول فيه اللسان العربي الذي يستمد خصائصه من سنن الكون، وتلك السنن إنّما يكتشفها الناس بالسير في الأرض والنظر، وقد ربط القرآن بين مواقع النجوم والقرآن المكنون، للدلالة على مدى الترابط الوثيق بين آيات الكون وآيات الكتاب. وتطرق أيضا في ورقته البحثية إلى ما يتصل بنزول القرآن بلسان عربي مبين، وكيف صار منذ نزوله ذروة العربية، وذلك بعد تاريخ طويل من تدرج هذا اللسان عبر التاريخ في المنطقة العربية، إلى أن وصل في نهاية ورقته إلى أن صيغ لسان القرآن في شكله النهائي من وسط كل لغات ولهجات المنطقة كالأكادية والفينيقية والهيروغليفية والأرامية والحميرية والنبطية والعربية الحديثة، قد حفظت للسان كيانه من التفكك والتحلل إلى لغات ولهجات أخرى، كما حصل للعديد من الألسن القديمة والحديثة.
بعدها قدم الباحث عبدالله المعمري ورقة بحثية بعنوان «حركة الأرض وثباتها بمنطق القرن الخامس الهجري: القاضي نجاد مثالا» وقد عرض هذه التأملات الفلسفية من مخطوط «الأكلة وحقائق الأدلة» للقاضي نجّاد بن موسى المنحي، وأشار المعمري إلى أن هذا الكتاب مهم لاعتبارات عدة أهمها أن هذا الكتاب يتحدث عن علم الكلام دقيقه وجليله، كما أنه تفصلنا عن زمن هذا الكتاب 1000 سنة من خلاله نستطيع أن نتبين الأفق الفكري الذي كان متداولا في ذلك العصر، كما يعيننا هذا الكتاب في مراقبة الفكرة في أطوارها الزمنية وكيفية تطورها وسفرها عبر الزمن والمراحل.
كما بين المعمري العلاقة بين علم الكلام والفلسفة حيث ذكر أن علم الكلام نشأ بالتقاء العرب المسلمين بحضارة بلاد الرافدين إبان الفتح الإسلامي، فهم أرادو ان ينتصروا بالفكر أيضا كما انتصروا بالسيف، ولذلك نشأ علم الكلام الذي يعتبر في جوهره هو فلسفة في علم التوحيد.
وأشار المعمري إلى ان الموضوع متعلق بعلم الفلك فكيف يتم تداوله من منظور الفلسفة؟ فذكر أن علم الفلك نشأ من عبادة النجوم والكواكب من اعتقاد بعض الحضارات بتأثيرها على مصائر الناس، وبهذا يصبح موضوع الفلك موضوعا فلسفيا.
كما أوضح المعمري طريقة تناول القاضي نجاد لفكرة حركة الأرض وثباتها، فهو يدرج على عادة المتكلمين فهو يورد أفكارا وأقوالا عن سابقيه من الجماعات والفلاسفة، وقد انقسمت الآراء حول حركة الأرض وثباتها إلى 6 جماعات، فالقول الأول يقول إن الأرض متحركة، والقول الثاني يقول إن الأرض دائمة الصعود للأعلى، والقول الثالث يقول إن الأرض تتحرك يمينا وشمالا، وهذه الأقوال الثلاثة الأولى حاول القاضي نجاد تفنيدها، وقال ببطلانها، فهول لا يوافق بالكلية أن الأرض تتحرك.
وأما الأقوال الثلاثة الأخرى التي تقضي بحركة الأرض فالقول الأول يقول إن الأرض واقفة ويندها جسم من الأسفل، والقول الثاني يقول إن الأرض واقفة وهي عبارة عن خليطين أحدهما طبيعته الصعود والآخر طبيعته النزول، ولذلك هي واقفة لأنها تشد للأعلى والأسفل، والقول الثالث يقول إن الأرض هي في الوسط وتتدافع حولها الموجودات فتثبتها.
بعدها قدم الباحث سلطان بن عبيد بن سعيد الحجري ورقة بحثية بعنوان «مشيئة الله ومشيئة الإنسان: قراءة في منهج البحث الكلامي» تحدث فيها عن مشيئة الله رب العالمين التي عرّفها الجرجانيّ بقوله: «مشيئة الله عبارة عن تجلي الذات والعناية السابقة لإيجاد المعدوم أو إعدام الموجود». كما ناقش الحجري أيضاً عمّا يشاء الإنسان في أموره الاختيارية، وما ينتج عنها من سلوك، وما صلة علم الله المحيط بكل شيء باختيار الإنسان؟ إلى جانب ذلك ستنظر الورقة إلى الكيفية التي تكون بها الهداية مثلاً وفق مشيئته سبحانه وتعالى؟ وما معنى قوله تعالى يضل من يشاء؟. ويرى الحجري أن هذا المبحث سيفضي إلى الحريّة، وهي إحدى مفردات الدرس الفلسفيّ، ويستطرد باحثاً في هذا الشأن الجدلي إلى الاعتقاد بأن مبحث الحرية هو لبّ الفلسفة ولحمتها وسداها؛ فمن لم يكن حراً فهو مقيد في ركاب التبعية يقفو بلا نظر ولا رشد. فالحرية الإنسانيّة لم تعدم لها نصيراً بين مفكري الإسلام «وقد تحدّث معظم الفلاسفة عن الحريّة” واشتهر المعتزلة بذلك؛ إذ رأوا أنَّ الإنسان لا يفعل الفعل إلا وهو قادر على تركه وفعل غيره بدلا عنه. كما تطرق الحجري في ورقته إلى مناقشة بعض الآراء المختلفة ومحاولات التوفيق بين فكرتي الجبر والاختيار لدى عدد من الفلاسفة المسلمين كالأشاعرة وأبا حيان التوحيدي والفيلسوف ابن رشد. وبين الحجري أنه لم يعط تراثنا في عمان حقَّه مِن الدرس الكلاميّ حتى يعرف سبقه أو تأخره في بحث هذه القضيّة، فسلط الضوء على بعض هذا التراث. وبما أن القرآن – وهو مصدر النقل الموثوق عند المتكلمين – فقد أكثر من ذكر هذه القضيّة، حتى أنّ نسبة الإضلال إلى الله في القرآن بلغت «25» مرةً، من نحو «يضل من يشاء»، و«يضل الله الظالمين». ومنهج تحليل النصوص الذي سلكه علماء الكلام المسلمين هو الذي أنتج لهم فلسفتهم الإسلامية.

 

………..

عمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة