تراث و وثائق

تاريخ اليمن القديم

 الجسرة الثقافية الالكترونية – تاريخ اليمن القديم هو التاريخ الذي يتناول الحضارات الصيهدية نسبة لصحراء صيهد في بلاد اليمن من الألفية الثانية قبل الميلاد حتى وصول الإسلام في القرن السابع. دراسة هذا التاريخ مهمة لإنها ليست متعلقة باليمن فحسب بل بتاريخ شبه الجزيرة العربية بشكل عام فلم تقتصر على المواضع المذكورة آنفا بسبب سيطرتهم على الطرق التجارية أهمها طريق البخور وطريق اللبان كون اليمنيين كانوا محتكرين لتجارة الذهب والطيب والأحجار الكريمة والمر. إمتد نفوذ هذه الممالك حتى منطقة ديدان  وعلى السواحل الشرقية لأفريقيا وبالذات المناطق الشمالية لإثيوبيا في منطقة أكسوم وأثروا على سكان هذه المناطق الذين استعاروا نظام الكتابة اليمني القديم المعروف بخط المسند وهناك اعتقاد عند الباحثين أن أهل يثرب القدماء أو من عُرف بالأنصار كانوا جزءا من غرس سبئي أو معيني في الطريق التجارية لغرب الجزيرة العربية.
ينقسم التاريخ القديم لثلاث مراحل الأولى مرحلة مملكة سبأ والثانية فترة الدول المستقلة وهي مملكة حضرموت ومملكة قتبان ومملكة معين والثالثة عصر مملكة حمير وهو آخر أدوار التاريخ القديم. مرت البلاد بعدة أطر من ناحية الفكر الديني بداية بالوثنية وتعدد الآلهة إلى توحيدها من قبل الحميريين  وشهدت البلاد تواجداً يهودياً منذ القرن الثاني للميلاد أغلب مصادر تاريخ اليمن القديم هي كتابات خط المسند بدرجة أولى تليها الكتابات اليونانية  أما كتابات النسابة والإخباريين بعد الإسلام فلا يمكن الاعتماد عليها بشأن تاريخ البلاد القديم لعدم قدرتهم قراءة خط المسند وإتساع الهوة الزمنية بينهم وبين مملكة سبأ ولكن كتاباتهم معقولة ماتعلق الأمر بالزمن الذي عاشوا فيه  إضافة إلى لجوء بعض مؤرخي السيرة النبوية مثل ابن إسحاق وغيره إلى وضع روايات وأبيات شعرية مختلقة على ملوك اليمن القديم لأسباب دينية وسياسية للإيحاء بأن اليمنيين القدماء كانوا يحجون إلى مكة وما تواتر عن صراع بين عدنان وقحطان لأجل السيطرة على تلك المدينة، رغم عدم العثور على أي ذكر لمكة في أية كتابة قديمة مكتشفة حتى الآن على كل أراضي الجزيرة العربية، وليس في اليمن فحسب ولا في كتابات اليونان الكلاسيكية فهناك غياب واضح لها في الكتابات القديمة رغم أن السبئيين كانوا يجيدون الكتابة منذ القرن العاشر ق.م على الأقل عدا أن اليمنيين لم يعرفوا قحطان هذا كجد بل عرفوا المسمى كاسم محطة تجارية تابعة لهم في قرية الفاو فهم كانوا يعتقدون أنهم أبناء آلهتهم وهو مايُضعف الإدعاءات الواردة في كتب التراث العربية بشأن التاريخ القديم لليمن والجزيرة العربية بشكل عام فلا توجد دلائل مادية أن كعبة مكة عنت لليمنيين أي شي فلا يعرف متى بنيت على وجه الدقة فلا ظهور لمكة إلا في القرن السادس الميلادي عقب سقوط مملكة حمير  كان لليمنيين القدماء نظام زراعي متطور وعرفوا ببناء السدود الصغيرة في كل واد وأشهر السدود اليمنية القديمة سد مأرب وازدهرت تجارتهم وكونوا محطات وممالك صغيرة منتشرة في أرجاء الجزيرة العربية مهمتها حماية القوافل من محاولات الأعراب لنهب وسلب محتوياتها وأسسوا إحدى أهم ممالك العالم القديم المعروفة باسم ممالك القوافل وبلادهم باسم بلاد العرب السعيدة في كتابات المؤرخين الكلاسيكية.
كان للنمساويين الصدارة في دراسة النصوص اليمنية القديمة وأشهر هولاء المستشرق إدورد جلازر الذي جمع خلال زياراته الثلاث إلى اليمن حوالي 1032 نقشا قديما وبالتعاون مع صديقه الفرنسي جوزيف هاليفي الذي درس وحده 800 نقش في القرن التاسع عشر ودخل اليمن وتجول بأرجائها كيهودي متسول من فلسطين ليقي نفسه تحرشات القبائل إذ كانت القبائل لا تتعرض لفقراء أهل الذمة بسوء. كانت هناك محاولات متواضعة من مستشرقين إيطاليين ودنماركيين في القرن السادس العشر إلا أنها لم تكن مثمرة. بعد الحرب العالمية الأولى، بدأ عدد من الباحثين المصريين والسوريين “كشيخ الآثريين” المصري أحمد فخري، وله كتابان عن اليمن وتاريخها القديم، بزيارة اليمن والمشاركة في أعمال التنقيب والحفريات. أما أول أمريكي يزور اليمن فكان الباحث ويندل فيليبس وعدد آخر من الباحثين مثل ألبرايت وألبيرت جامه. ثم كان كتاب المؤرخ العراقي الراحل جواد علي العبيدي المعنون المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام وفيه أبدى الدكتور جواد رأيه في كثير من المسائل وأطروحات المستشرقين فلم يكن متوافقا معهم كليا ولا مجرد ناقل بل تناول كتابتهم وكتابات المؤرخين العرب بالنقد والتمحيص كذلك، فهي أبحاث علمية تحتمل الخطأ والصواب. في عام 1987 قام الباحث الألماني ويرنر دوم بزيارة اليمن وتأليف كتاب “اليمن، ثلاثة آلاف سنة من الفن والحضارة في العربية السعيدة” (إنجليزية:Yemen: 3000 Years of Art and Civilisation in Arabia Felix) تطرق فيها الكاتب لأبحاث حديثة حول تاريخ الفنون والتماثيل والمعتقدات الدينية “للعربية السعيدة”. المكتشف من نصوص خط المسند يمثل نسبة ضئيلة للغاية من تاريخ سبأ واليمن بشكل عام، والدراسات قليلة وغير وافية ومعظم النقوش نُسخ من قبل سياح ومستشرقين دخلوا اليمن متنكرين خوفاً على حياتهم ولم تتوفر لهم فرصة لدراسة النصوص والمعابد بشكل دقيق بعيدا عن المنغصات، فضلاً أن كل المُكتشف الذي تم دراسته عثر عليه على ظاهر الأرض، وما تحتها يتجاوز ذلك بلا شك. فهذه معوقات لا تسمح بتكوين صورة دقيقة ومكتملة عن التطور السياسي للسبئيين وهو ما فتح بابا للجدال واختلاف الآراء والتفسيرات حول دلالات المُكتشف من النصوصوللأسف فإن الأبحاث الآثارية الحديثة في اليمن تتعرض لمضايقات وعرقلة بسبب الاضطرابات.

كتابات النسابة وأهل الأخبار يجب أن تقرأ بحذر وتمحيص شديد لإن مجال الوضع والكذب فيها واسع فعدد كبير من الإخباريين كان يؤلف كتاباً في “فضل” قبيلة ما ومآثرها إما تعصباً أو تكسباً بالأموال  ولاحظ الباحثين في العصر الحديث أن الموارد الإسلامية أو تلك التي دونت بعد الإسلام تحتوي شيئاً من الصحة عن التاريخ العربي قبل الإسلام ماتعلق الأمر بالقرن السادس الميلادي على أكثر تقدير مع ذلك لا يمكن الاعتماد على تلك المصادر لإنها لم تعتمد على سند مدون ولا نص مكتوب بل كانت روايات شفهية متواترة تعتمد على القيل والقال وهو حال كل كتابات المؤرخين المسلمين للأسف  فمن غير المنطقي من وجهة نظر بعض الباحثين، إدراج النسابة والإخباريين لحوارات طويلة بين شخصيتين تاريخيتين بدون الرجوع إلى مصدر أصلي مدون عن الحوار المزعوم فذاكرة الإنسان مهما كانت لا تحفظ نصاً واحداً بمجرد الاستماع وإحتمالية الكذب والزيادة والوضع كبيرة في ظل ثقافة شفهية كهذه [لعل أبرز نتائج هذه الثقافة الأخبار عن الإنتصارات والمفاخر بين القبائل وكلها روايات نابعة من خصومات الافتعال والكذب فيها جلي  مثل مايسميه بعض الإخباريين انتصاف قبائل بدوية من ملوك حِميّر  وقد كان المؤرخون المسلمون يعتمدون على الشعر لإثبات حوادث تاريخية فيزعمون أن ملكاً أو فارساً أنشد شعراً في موقعة ما وبذلك تكون الفكرة التي أرادوا إيصالها مثبتة تاريخياً في نظرهم ووصل بهم الأمر إلى نسب أبيات شعرية إلى آدم بل إبليس نفسه  وحتى إن نقلوا من مصادر مدونة فإنهم يقحمون آرائهم وينقلون عنها من منطلق الواعظ والناصح ولذلك اختلف المؤرخين المسلمين عن اليونان والبيزنطيين كثيراً، فكتابات اليونان وإن عابتها توجهات سياسية إلا أنها أكثر موثوقية وعلى هذا فإن قصص الإخباريين والنسابة ضعيفة ماتعلق الأمر بالتاريخ العربي قبل الإسلام عموماً والتاريخ اليمني بشكل خاص لإن اليمنيين كانوا يدونون بخط المسند وذكروا في كتابات اليونان والبيزنطة ومع ذلك لم يكلف النسابة والإخباريين أنفسهم الرجوع لتلك المصادر باستثناء قليل منهم كان على إطلاع على كتابات السريان حول بعض التواريخ مثل قصة ذو نواس الحِميَّري  وقد تنبه مؤرخون مسلمون في عصور لاحقة لذلك وإنتقدوا أساليب من سبقهم مثل ابن خلدون ولكن من بين الإخباريين الذين بذلوا جهداً معقولاً في هذا الجانب كان المؤرخ والجغرافي اليمني أبو محمد الهمداني مؤلف صفة جزيرة العرب لإنه كان من القلائل الذين حاولوا قراءة نصوص المسند على الأقل وقد زار المواقع الأثرية بنفسه ودون مارآه وهو مجهود لم يفعله أحد من المؤرخين المسلمين  ولكنه مع ذلك وقع في أخطاء فادحة

الأصول
منحوتة لامرأة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد أو بدايات الثانية (القرن العشرين ق.م)ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الحضارات القديمة منبثقة من حضارات بدائية قامت في العصر البرونزي (امتدادا للعصور الحجرية) في اليمن أم أنهم نازحين من فلسطين خلال العصر الحديدي. فالبعض يعتقد أن السبئيين وغيرهم كانوا امتدادا لحضارات بدائية قديمة جدا قامت في اليمن إلا أن الارتباط اللغوي للعرب الجنوبيين مع الكنعانيين بالذات يرجح نزوحهم إلى الجنوب على رأي علماء المدرسة الألمانية القديمة[30][31][32]، وتبقى هذه مجرد نظرية، فسبب النزوح (إن حدث فعلا) لا يزال غير معروف. ولكن في الفترة التي عثر فيها على كتابات مسندية قديمة في اليمن، كان المصريون قد توغلوا في كنعان وأخضعوها لحكمهم، فيعتقد أن غزو المصريين كان سبب النزوح جنوبا واقتتالهم مع ممالك محلية صغيرة (ممالك مدينة ـ City States) وهيمنتهم عليها. وقد ورد نص مصري عن تلقي الإمبراطور المصري تحتمس الثالث هدايا من يمنيين في القرن الخامس العشر، وهذه الهدايا كانت بخورا مما يدل على قدم سيطرة اليمنيين على مناطق إنتاج البخور ويضعف فرضية النزوح في العصر الحديدي. كشفت أبحاث قصيرة في عام 2001 عن وجود حضارة زراعية تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد وهو ما يُفند النظرية المستندة على التوراة بشأن أصول السبئيين فالعامل اللغوي وما جاء في التوراة عن أعراب سبئيين قرب مناطق اليهود هو ما حمل باحثي المدرسة الألمانية القديمة على ترجيح نزوح العرب الجنوبيين من أقصى جنوب فلسطين. فالتوراة ذكرت ما يٌفترض أنه نسب سبأ ثلاث مرات مختلفة فذكر سبأ من نسل الشخصية التوراتيةإبراهيم من ولد اسمه “قيشان” كان شقيقاً لمدين الذي أنجب ديدان. وذكرت التوراة كذلك أن السبئيين كانوا يغيرون على أيوب ويسرقون بقره ويقتلون الأطفال وهي تعطي دلالة أن عدداً من السبئيين كان بدوياً ويغير على المزارعين في مواقع قريبة من اليهود. وذكرت التوراة أيضا سبأ أخرى شقيقة لحضرموت ومن أبناء يقطان بن عابر وهو الإدعاء الذي تمسك به النسابة والإخباريون الذين ظهروا بعد الإسلاموأنهم كانوا يسكنون “ميشع” ونزحو إلى “سفار” ويعتقد الباحثون أن المقصود بسفار عند اليهود هو ظفار يريم عاصمة الحميريين وذكروا سبأ من نسل كوش وهي إن أثبتت شيئا فهو امتداد نفوذ السبئيين إلى عدة مناطق على شكل مستعمرات، وتعدد المناطق التي قدمت منها القوافل السبئية خلط الأمور على اليهود. ذكر الباحثون في سياسة العرب الجنوبيين تكوين مستعمرات وتمهيد الطرق للقوافل، وبناء على ذلك فلا شك أن جماعة من السبئيين كانوا يسكنون على مقربة من أرض كنعان. وقد عثرت بعثة إسكتشاف أمريكية على آثار من النحاس والحديد وكتابات بخط المسند تعود إلى القرن الثامن ق.م في موقع “تل الخليفة” بالأردن يرى الباحثون أن لها علاقة بالمعينيين في العلا.[43][44] هذا لا يعني اعتبار التوراة مرجعا ولكن الوارد فيها قد يعطي لمحة لبعض التواريخ فكتاباتهم تشبه كتابات النسابة والإخباريين العرب تتعرض للأهواء والأمزجة والأحقاد وأغلبها بطابع دعائي كاذب. وقد عثر الأثريون على كتابات سبئية ومعينية في مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية في قرية الفاو بل في العراق كذلك في موقع “وركاء” على شاهد قبر قديم ولا يعرف على وجه الدقة ما إذا كان هولاء الذين دونوا بالمسند في العراق يمانيين أم من سكان البلاد الأصليين. واكتشفت كتابات معينية في ميناء “عصيون جابر” وهو حسب العهد القديم أحد الموانئ المهمة للملك سليمان وكتابات مشابهة في القطيف. ورد في نصوص سومرية كلمة “سبا” في كتابة “لجش تلو” ويعتقد أن المقصود “أرض سبأ” وذلك منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد، وقال هومل أن كلمة “سابوم” الواردة في نصوص لملوك أور هي ذاتها سبأ المذكورة في العهد القديم والقرآن.

كان التبادل التجاري مبلغ علم العبرانيين فلا يوجد في كتبهم سوى أن السبئيين كانوا أثرياء وتجار بخور ولبان وأحجار كريمة، ويظهر أن الأمور اختلطت عليهم بسبب تعدد المواقع التي قدمت منها القوافل السبئية المهم في هذه الكتابات اليهودية هو توصيفها لحال الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية. وقد وجدت كتابات تصف وضعا مشابها في كتابات اليونانيين والرومان. كانت الكتابات اليونانية في البداية مبالغا فيها ويشوبها عنصر الأسطورة ولكنها تحسنت بعد الاتصال المباشر لليونانيين باليمنيين القدماء وزيادة أطماع اليونان السياسية كانت دافعا لهم لدراسة الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية ودراسة مواطن ضعفه حتى أنهم خزنوا ما كتبوه عن اليمن القديم في خزانة مكتبة الإسكندرية واعتبروه من أسرار الدولة التي لا يطلع عليها العامة.

أما الوارد بشأن جرهم وإسماعيل فهي قصص متأثرة بتراث ديني والتأكد منها من ناحية الآثار يكاد يكون مستحيلا خاصة أن معظم الأبحاث الأثرية لا يثبت وجود هذه الشخصيات وإن وجدت فإنها قد لا تكون بنفس الصورة التي صورتها النصوص الدينية  ورد اسم قحطان (الجد الأكبر للقبائل اليمنية وسبأ وحمير وكل هذه الممالك حسب معظم النسابة وكتب الإخباريين) ولكن في كتابات مسندية متأخرة للغاية عن القرن الثاني عشر أو التاسع قبل الميلاد ولم تكن بالصورة التي صورها الإخباريون، فذكر سبأ وحضرموت ومعين وحمير وقتبان أقدم من ذكر قحطان بمراحل وورد اسم قحطن كأرض وليس جدا ولا حتى جزء من ميثولوجيا دينية قديمة، فقد ذكر قحطن كاسم أرض لملك كندة، وقد تظهر الأيام والاكتشافات السر وراء أسطورة قحطان هذا، فرغم أن عدد النقوش والآثار المكتشفة يتجاوز العشرة الآف نقش إلا أن الباحثين يعتقدون أن ما تحت الأنقاض يتجاوز ذلك وإن لم يكن البحث عن قحطان هو هدف الأركيولوجيين الرئيسي من عمليات التنقيب التي لا زالت في بداياتها.

مملكة سبأوجدت شواهد لقبور ميغاليث تعود إلى العصر الحجري القديم ولا زالت الدراسات بشأن تاريخ اليمن القديم في بداياتها فكثير من الأمور لا زالت غامضة وغير واضحة. بدأت تظهر علامات على تحضر في أواسط الألفية الثانية قبل الميلاد في منطقة صبر تحديدا تعود إلى العصر البرونزي وتسبق الممالك الخمس المعروفة. حيث وجدت أطلال لمدينة قديمة ولها أسواق ومباني صغيرة وحفر تقود إلى مخابئ لتخزين الأمتعة الثمينة ولا زالت الأبحاث جارية حول هذه الحضارة الصغيرة من قبل مختصين ألمان  لم تجرى أبحاث حول الحضارات الأصلية التي إنبثقت عنها الممالك اليمنية الأربع.

 
كتابة سبئية من العصر الوسيط، من كتابات كهذه أخذ الباحثون معرفتهم بتاريخ اليمن القديمفي الفترة ما بين 1300 – 1000 قبل الميلاد نشأت مملكة سبأ وكانت إتحادا اتحاد ضم عدداً كبيراً من القبائل ويُعرف انتماء القبيلة في نصوص خط المسند بعبارات دلالية من قبيل “ولد إل مقه” (أبناء الإله إلمقه) أو “ولد عم ” (أبناء الإله عم) و”سبأ وأشعبهمو” (سبأ وقبائلهم) وماشابهها من عبارات ساعدت الباحثين في تحديد انتماءات وأصول القبائل استطاع عدد من المكاربة من تشييد عدد من السدود الصغيرة لحفظ المياه والاستفادة من مياه الأمطار لري الأراضي واكتشف عدد من الرسومات الفنية والنقوش المصورة لحيوانات في الغالب تعود إلى هذه الفترة ونقوش تشير إلى بناء وتشييد لمعابد، معبد اوام تحديدا وذلك في القرن الثامن قبل الميلاد  استطاع اليمنيون تكوين علاقات تجارية مع الهند والآشوريين واشتهروا بكونهم تجار عطور وطيب وبخور وذهب وفضة وبهارات وكلها عناصر مهمة للعالم القديم مما زاد من ثراء اليمنيين ومكنهم من بناء السدود مما حدا بالكهنة أو المكاربة تغيير ألقابهم إلى ملوك في فترات لاحقة. وتغيير الألقاب الملكية وإضفاء هالة من الفخامة عليها كان منتشرا بكثرة وتبدل اللقب ودخل أطوارا عديدة حسب أهواء الملوك والحكام  ورد في نص آشوري للملك سرجون الثاني تلقيه هدية من مكرب سبئي يدعى يثع أمر ووجد اسم المكرب في نقوش يمنية  ووجدت كتابة أخرى للملك سنحاريب وتشير إلى تلقيه هدية من مكرب يدعى كرب إيل أو كرب إيلو حسب اللفظ الآشوري  ويستبعد أن نفوذ الآشوريين وصل إلى اليمن وهدف إرسال الهدية كان مجرد تعبير عن الصداقة التي تجمع سبأ وآشور لارتباطات تجارية قديمة بينهما ومن باب التلطف للآشوريين إذ كان للسبئيين تجارة في أسواق العراق  ويعود تاريخ الكتابة إلى 715 ق.م  ولم يورد الآشوريين اسمه كاملا في النص مكتفين بكرب إيل واسمه الكامل كرب إيل بين. لقبه الآشوريين بملك وهي دلالة على عدم معرفتهم بألقاب حكام العربية الجنوبية في تلك الفترة وقام عدد من المكاربة مثل ذمر علي بإنشاء عدد من السدود مثل سد رحبم وعملوا على إيصال المياه إلى مناطق عديدة في اليمن ثم المكرب يثع أمر بين الذي قام بتعلية سد رحبم وتقوية دعائمه فزاد مساحة الأراضي الزراعية وإزداد ثراء المزارعين في هذه الفترة وبالذات في مأرب التي أصبحت تناقف صرواح عاصمة سبأ في تلك الفترة حوالي القرن الثامن ق.م يظهر في هذه الفترة نقوش عن عدد من الحروب والإنتصارات لسبأ على معين وقتبان ونجران وكعادة النقوش فإنها لا تبدي أسبابا للإقتتال وتكتفي بذكر الموقع واسم الملك وعدد القتلى من الجانب المهزوم. وكان عدد القتلى في نجران هو الأعلى خلال حملة المكرب يثع أمر بين هذه إذ ورد في النص أن خمسة وأربعين ألف شخص قتلوا خلال إحراقه لمدنها وقراها

 
تمثال “يصدقئيل فرع” أحد ملوك مملكة أوسان (الأوس) وهو من التماثيل والآثار القليلة لتلك المملكةفي بدايات القرن السابع قبل الميلاد غير المكرب كرب إيل وتر لقبه من “مكرب سبأ” إلى ملك سبأ  يعتقد أن ملك مملكة أوسان بدأ بالهجوم وإستطاع السيطرة على ممالك صغيرة تابعة لمملكة حضرموت وقتبان. توجه كرب إيل وتر إلى المناطق الساحلية الجنوبية الغربية لليمن للسيطرة على الممالك التي إستولت عليها أوسان متجنبا صداما مباشرا مع الملك. وإستطاع إخضاع هذه الممالك وبلغ عدد القتلى 3000 وأسر 8000، عندها تحالفت حضرموت وقتبان مع سبأ ضد مملكة أوسان وإستطاع هذا التحالف قمع مملكة أوسان ومنعها من أي محاولة للاستفراد بالطريق التجارية وخضعت أوسان وأراضيها لسبأ دون حضرموت وقتبان  وترجمة أوسان أو “أوسن” كما وردت في نصوص المسند هي الأوس لإن النون في آخر الأعلام هي أداة التعريف بلغة العرب الجنوبيين القديمة  كانت سبأ قد بلغت أوجها حتى أواخر القرن الثاني أو بدايات الأول ق.م

كان كربئيل وتر ملكا محاربا وقاسيا دأب على إحراق كل من يبدو فيه تهديدا لسلطة سبأ وكبدت حملاته العسكرية خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والزرع وإن قام بأعمال إصلاحية مدونة في النقوش. دون هذا الملك كتابة طويلة يحكي فيها إنجازاته متفاخرا عرفت الكتابة عند المتشرقين باسم “كتابة صرواح” إستبق فيها الملك إنجازاته كاتبا
    هذا ما أمر بتسطيره كربئيل وتر بن ذمار علي مكرب سبأ عندما صار ملكًا، وذلك لإلهه المقه ولشعبه شعب سبأ    

تولى ابن كربئيل وتر الحكم وأبنائه من بعده وهيمنت سبأ على جنوب الجزيرة العربية وبقي الملك في سلالة هذا الملك أمداً طويلاً من القرن السابع ق.م وحتى القرن الثالث ق.م إثر انقلاب قام به الملك وهبئيل يحز ووردت عدة نصوص في نفس الفترة عن تأديب قوات من حاشد لبدو تطاولوا على أربابهم ملوك سبأ كما يُقرأ من النص وتم استرداد أموال سلبها هولاء البدو وأُخذوا إلى معبد المقه بمأرب لينظر المعبد مصيرهم

وشهد القرن السابع والسادس بالإضافة إلى الحروب والتحالفات، إصلاحات وتشييد لأبراج وقلاع وحصون وتحسين نظام الري وبناء عدد من السدود وإيصالها ببعضها البعض. وأستخدمت الأحجار الكريمة مثل البلق لبناء الأبراج (محفد) في تلك الفترة  كان اليمانيون يمولون ممالك تابعة لهم لحماية الطريق التجارية من غزوات الأعراب على القوافل. فكانت مملكة كندة القديمة التي تعاقب على دعمها أكثر من ملك في صنعاء ومأرب من يوفر الأمان للقوافل التجارية الخارجة من اليمن إلى العراق وفارس وكانت مملكة ديدان تقوم بنفس الوظيفة ولكن للقوافل المتجهة نحو الشام ومصر ودول البحر الأبيض المتوسط وغيرها من الممالك المنتشرة على طول الطريق التجارية لم تكن علاقة هذه الممالك في الصحراء جيدة دائما مع ممالك اليمن، فتظهر عدد من النصوص عن استغلال سلطتهم على الأعراب لشن هجمات على قوافل خارجة من اليمن أو عائدة إليه على حسب الظروف والمصالح

التمرد القتباني (330 ق.م – 100 ق.مملكة قتبان
أحد المنحوتات القديمة لمملكة قتبانمملكة قتبان هي أحد أقدم الممالك اليمنية ونظام حكمها بدأ مشابها لسبأ إلا أن المعلومات المتوفرة عنها قليلة وهناك اعتقاد أن الحميريين ورثة هذه المملكة القديمة  لم يعرف المؤرخون بعد الإسلام شيئا كثيرا عن قتبان وكعادتهم جعلوه شخصا وساقوا له نسبا ينتهي إلى العرنج والعرنج هذا هو اسم حمير الحقيقي على حد زعمهم  منازلهم كانت جنوب مواطن السبئيين وفي الأقسام الغربية المطلة على السواحل في اليمن حتى باب المندب. المشكلة التي تواجه الباحثين في تحديد طبيعة المملكة القتبانية هو أن أغلب الكتابات والنقوش غير مؤرخة عكس أبنائهم الحميريين أو أنها مؤرخة بطرق لم يستطع الباحثين فهمها. إستطاعت قتبان في القرن الرابع ق.م من الاستقلال عن السبئيين وهزموا ملك سبأ “يثع أمر وتر الثالث” وسيطروا على طريق البخور وأصبحوا القوة الأكثر نفوذا بين الممالك الأربعة وكتابات قتبان عن القوانين أكثر بالقياس من تلك السبئية وقد وردت نصوص تتحدث عن أعمال تمهيد لطرق في الجبال منها نص يتحدث عن مشاركة كل ولد عم أي كل أبناء الإله عم ودهس (يافع) و”هكحد” وأردف هذه الأسماء بجملة وكل يمن وشامن أي كل الجنوب والشمال ساهموا في إنجاز هذا المشروع وكان المهندس المشرف على هذا العمل رجل قتباني يدعى ” أوس بن يصرع ”  وكان هدف هذه المشاريع التي أستعمل فيها الأسفلت هو تمهيد الطريق للجنود وغيرها من الأعمال والقوانين التي سنها القتبانيون خلال فترة نفوذهم على الممالك الأخرى التي تعكس وجود فن هندسي متقدم عند العرب الجنوبيين

العصر الذهبي لمَعْيَّن (330 ق.م – 100 ق.م)
أسوار مدينة براقش عاصمة مملكة معين مقالة مفصلة: مملكة معينلم يعرف عنها المؤرخون والنسابة بعد الإسلام شيئا يذكر إلا أنها ذكرت في كتابات اليونان وذكر سترابو أن اسم عاصمتهم “قرنا” (قرناو) وأن الحضارم يحدونهم من الشرق والسبئيين والقتبانيين من الجنوب وهي كلها تشير إلى محافظة الجوف حاليا وقد وصف سترابو هذه الممالك بالبلدان وأن عليها ملكا وبها معابد وبيوت تشبه تلك عند المصريين  وجاء في كتابة بالجيزة تعود لأيام بطليموس الثاني عن وجود معيني في تلك المنطقة وكان وجوداً تجارياً إذ كانوا يزودون المعابد المصرية بالبخور

إكتشف المسشرق جوزيف هاليفي كتابات كثيرة تتجاوز الألفين كتابة من تجوله كيهودي متسول في عاصمتهم القديمة “قرناو”  وقد عثر على كتابات للمعينين في منطقة الجوف السعودية (ليست محافظة الجوف اليمنية) وكتابات في الجيزة ويعتقد عدد من الباحثين أنهم المقصودين بلفظة “معينيم” في التوراة  وليس هناك اتفاق بين الباحثين حول منشئها وسقوطها فباحثي المدرسة الألمانية القديمة يرون أنهم أصبحوا بدواً وأعراباً في القرن الأول ق.م الميلاد مستشهدين بنصوص سبئية تشير إلى إنتصارات عليهم إلا أن كتابات اليونان في القرن الثاني للميلاد والتي تشير إلى المعينيين بأنهم “شعب عظيم” تعارض ذلك وتظهر أنهم بقوا على الحضارة فترة طويلة  يُعتقد أن أول ملك لمعين هو “إيل فع يثع ” خلفه ملك هو “أبو كرب يشع” وعثر على اسمه في العلا في كتابة دونها رجل يدعى “أوس بن حيو” وكان أوس هذا كبير المنطقة حينها  وورود هذه الأسماء في منطقتي الجوف والعلا وفي توقيت واحد هي السبب وراء إيمان الباحثين أن مملكة ديدان والحجر كانت تابعة لملوك مملكة معين وهذه ال”يثع” و”يشع” و”وتر” التي تعقب أسماء الملوك العرب الجنوبيين هي ألقاب حقيقة وليست جزء ا من أسماء ولادتهم فكلمة “وتر” تعني “المتكبر” أو “المتعالي” وكلمة “يثع” تعني المنقذ وكلمة “بين” تعني الظاهر  ويقول جواد علي أن مملكة لحيان كانت مملكة تابعة لمعين وإستقلت عقب ضعفهم في اليمن  كان ملوك معين يعينون حكاما على المناطق الخاضعة لهم خارج اليمن ويسمونهم كبراء واكتشف عدد من أسماء هولاء ” الكبراء ” في منطقة العلا مهمتهم توفير الأمن للقوافل وجمع الضرائب والأتاوات  وكان أكبر آلهتهم الإله ود بعد الإله عثتر إلا أنه بقضاء السبئيين عليها إستقلت العلا في القرن الأول ق.م على رأي بعض الباحثين

مملكة حضرموت (330 ق.م – 275 م)
صحن حضرمي في القرن الميلادي الثاني مقالة مفصلة: مملكة حضرموتليس هناك إتفاق بين الباحثين عن مبدأ قيام هذه المملكة قبل سقوطها بيد السبئيين وأقدم رحلة إستكشافية كانت في موضع يقال له “الحريضة” بحضرموت حيث عثر المنقبون على آثار لمعبد الإله سين يعود للقرن السابع أو الخامس قبل الميلاد حضرموت إسم قبيلة مثل سبأ وكان عليهم مكرب قائم بشؤونهم وأول كتابة حضرمية مكتشفة على رأي الباحثين هي كتابة الملك “يهرعش بن أبيشع” وتعود للقرن الخامس قبل الميلاد وتحكي بناء سور لحماية حضرموت من الحِميَّريين

سياستهم كانت قريبة من سياسة الممالك الأخرى وهي السيطرة على الأراضي الخصبة وعقد تحالفات مع القبائل الجبلية وتلك المطلة على السواحل. بنى الحضارم ميناء خور روري القديم المتواجد في ظفار ضمن سلطنة عمان حاليا اكتشف نص يعود للعام 200 بعد الميلاد يشير إلى ثائر إسمه “يدعئيل بن رب شمس” خرج على السبئيين في شبوة وجمع جمع قبائل خولان وبنو كلب وقبيلة يام وأنتصروا إلا أن السبئيين أحرقوا المدينة بالكامل قبل إنسحابهم  وهذا النص هو أقدم النصوص الذي يشير إلى قبيلة يام وبنو كلب ولم تذكر نصوص المسند الياميين من قبائل همدان كما هو وارد في كتب النسابة وأهل الأخبار بل يظهر أنهم من قبائل مملكة حضرموت  واقعة إنتصار “يدعئيل بن رب شمس” هذا كانت خلال الحرب الأهلية بين “ذي ريدان” (حِميَّر) وسبأ وكان الحضارم طرفا فيها فلم يحتفل “يدعئيل بن رب شمس” بنشوة النصر طويلا حتى سقطت حضرموت بيد شمر يهرعش مؤسس مملكة حمير

السيطرة الحميرية: مملكة حميركان الحِميّريون مملكة صغيرة تابعة لقتبان في غالب عصور ماقبل الميلاد. يظهر أن الحميريين عقدوا تحالفات مع عدد من القبائل منها قبيلة “ذياب” وأستطاعوا السيطرة على عدد من الممالك الصغيرة في القرن الثاني قبل الميلاد ودخلوا مأرب أول مرة بعد غزوة أيليوس غالوس وسموا أنفسهم ملوك “سبأ وذي ريدان” إلا أن السبئيين إستعادوا عرشهم وأبقوا على اللقب الملكي رغم أنهم لا يسيطرون على حمير حقيقة  غزا الحميريين مأرب للمرة الثانية في العام مائة بعد الميلاد وأستطاعوا إسقاط سبأ وتربعوا على العرش لمدة أربعين سنة حتى استعاد العرش أسر من حاشد على مقاليد الحكم في سبأ وطردوا الحميريين من مأرب

لكن خروج الأمور ونشوب الحرب الأهلية بدأ فعلياً عقب تآلب حضرموت وسبأ على مملكة قتبان وإحراقهم لعاصمتهم تمنع وجبل العود في أوائل القرن الأول ق.م وانقلاب “يريم أيمن” زعيم قبيلة همدان على الأسرة السبئية الحاكمة وكان الملك من قبيلة حاشد  وأُستعبدت الأسرة السبئية الحاكمة إذ وصفهم الحاشدي بأنهم عبيده كانت تلك بادرة استقلال القبائل اليمانية وتحزبها إلى حزبين قبيلة همدان المنقلبة على الحكام الشرعيين، والحِميّريين الذين أرادوا الانتقام من الهجوم على مملكة قتبان ودخلت البلاد حرباً أهلية طويلة ولكن متقطعة تشوبها فترات سلم وانضمت قبيلتا كندة ومذحج لحِميَّر ضد قبيلة همدان وأحلافهم وإنتزعت أسرة من بكيل الملك من حاشد في النصف الثاني من القرن الأول ق.م وأبرز أقيالهم “إيلي شرح يحضب” وهو الذي بنى قصر غمدان وكثر ذكر مدينة “صنعو” (صنعاء) كثيراً في هذه الفترة كون النصوص مدونة من أشخاص ينتمون لقبائل همدان حاشد وبكيل

 
ذمار علي يهبر الثاني ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنتانتهت الحرب الأهلية بإنتصار حاسم للحميريين بقيادة شمر يهرعش الثالث وكان على رأس السلطة في سبأ ملك يدعى رب شمس وعلى حضرموت رجل يدعى “شرحئيل”  يعتقد أن شمر يهرعش استطاع إسقاط حضرموت في نفس العام إلا أن رأيا آخر يقول أن سقوط حضرموت كان عام 300 بعد الميلاد  وشهد عهد شمر عدة ثورات من أشراف وأسر سبئية بل من قبائل حميرية أخرى استطاع قمعها  وتوسع شمر يهرعش فضم تهامة وعسير  وأرسل ضباطا كان بعضهم من خولان لنجران حتى تلقب شمر بلقب “ملك سبأ وذو ريدن وحضرموت ويمنت” أي ملك سبأ وحمير وحضرموت واليمن فيكون حسب المتقدم من الاكتشافات والنقوش أول من قام بتوحيد ممالك اليمن القديم وإخضاعها تحت حكم مملكة واحدة ولا توجد دلائل أنه أبقى على بعض الأقيال لتحكم أراضيها ذاتيا كما كان يفعل المكاربة والملوك في عصور مضت قبله  قام الحميريين بترميم سد مأرب وأنهوا النزاعات وأخضعوا القبائل من جديد فنعمت اليمن بعصر من الاستقرار مكن الحميريين من مواصلة سياسة أسلافهم فقاموا ببناء القلاع والحصون وإمداد المرتفعات بالمياه. ورد نص يشير إلى “كهلن” (كهلان) دونه رجلان من هذا القسم معبرين فيه عن شكرهم للمقه لإنه رفع مكانتهم عند سيدهم شمر يهرعش  ولا يبدو أنهم حميريين بل كانوا ممن أخضعهم شمر يهرعش هذا وفي النص دلالة على استتاب الأمور أخيرا بعد قرن ويزيد من الصراعات والنزاعات مع القبائل. يعتقد أن اسم “شمر” الوارد في نقش النمارة لصاحبه امرؤ القيس بن عمرو ملك مملكة الحيرة يشير إلى شمر يهرعش. فقد توغل ملك المناذرة هذا من أطراف العراق إلى نجد حتى وصل إلى نجران التي سماها صاحب النقش “مدينة شمر” وهي دلالة أن الملك الحميري لم يكن قد تجاوز نجران في هذه الفترة. وإنتصر إمرؤ القيس ملك المناذرة

شكل المناذرة خطرا على الحميريين وورد في النص المنذري أن قبيلة مذحج “هربت” ويبدو أن المناذرة إستطاعوا هزيمة كندة كذلك وهو سبب وجودهم في جيش الحميريين الذي إسترد كل المواقع التي غزاها إمرؤ القيس بن عمرو هذا بل ضم مناطق لا يعتقد أنها كانت خاضعة لكندة قبل غزو “شمر يهرعش” وهي البحرين والقطيف والإحساء لم يكن للحميريين ليغزوها لو لم تكن علاقتهم قوية بملوك كندة التي تشير إليهم النصوص ب”كندت” و”آل ثور” الذين كانوا يتواجدون في قرية الفاو والأفلاج في نجد وكانت كندة ومذحج تذكر بأعراب سبأ وكانوا من “ركبم” و”أفرسم” والركبان هم من يقاتل على ظهور الجمال والفارس هو من يقاتل على ظهور الجياد وأستطاع هولاء الفرسان والركبان من مذحج وكندة إخماد تمرد قام في حضرموت كلف الحضارم خسائر فادحة  وهذه النصوص دلالة على توافق تام بين الحميريين وكندة. وتذكر كتب أهل الأخبار أن علاقة كندة بالمناذرة كانت علاقة شد وجذب فيظهر تزاوج وإنسجام تارة وإقتتال وخصومة في تارة أخرى وتعلق كندة بالحميريين كان له أثر سئ عليها. فعلاقة المناذرة كانت جيدة مع الفرس ولم تستطع كندة الصمود أمام المناذرة بعد سقوط الحميريين عام 525 – 527 ميلادية.

 
جزء من تابوت عليه رسومات لأبو هول وأحد النقوش أعلى الرسم يشير إلى “عميانس” أحد آلهة خولانيعتقد أن شمر يهرعش توفي عام 330 للميلاد  وورد اسم “شمر يهرعش” لثلاثة ملوك حميريين هناك إجماع أن شمر يهرعش الثالث حكم مع والده “ياسر يهنعم الثاني” ثم إنفرد بالحكم بعد موت والده. وشمر يهرعش وياسر يهنعم هم “شمر يرعش” و”ناشر النعم” في كتابات أهل الأخبار الذين “عربوا” أسمائهم وإختلقوا الأساطير وراء هذه التسميات بل جعلوه معاصرا للملك سليمان وحاكما بعد بلقيس التي جعلوها حميرية  هذه الأخبار الموضوعة تثبت أن الإخباريين واليمنيين منهم تحديدا كانوا على علم بماضي أجدادهم ولكنهم لم يستطيعوا قراءة رموز خط المسند وإعتمدوا على قصص كبار السن المتوارثة والذاكرة الشعبية لتدوين هذا التاريخ وبالتأكيد أضافوا إضافات من عندهم نتيجة التعصب والتحزب القبلي. خاض شمر حروبا في عسير ووادي بيشة ووادي ضمد وأنزل خسائر بتلك القبائل التي كانت متعاونة مع الأحباش الذين إستغلوا حالة اقتتال حمير مع سبأ لينزلوا أرض الجزيرة العربية. فتذكر النصوص أن ضابطا من خولان أرسل إلى هذه المناطق وتعقب من حاول الهرب عبر البحر الأحمر  وإحدى هذه القبائل قبائل عك الأزدية المعروفة  وسبي حوالي 2400 شخص وبيعوا في أسواق العبيد في مأرب في نص دونه ضابط من خولان يشكر فيه إلهه المقه أن مكنه من قطع رؤوس المتمردين وشفائه من جروح أصابت ساقه في هذه الحملة ولإنه “شوعن” (وتعني عاون بلغة الحميريين) سيده شمر يهرعش وختم النص بأن سأل الإله المقه أن يمن عليه بذرية ويرعاه ويحفظه في بقية الحروب التي سيقودها لأجل حمير

 
نقوش بخط المسند في “مأسل الجمح” في محافظة الدوادمي تحكي إنتصارا حققه “أب كرب أسعد” أو أسعد الكامل على المناذرة وذكر معه أقيال مأرب وكندة و”علة” ومن أسموهم “صغار الناس”
مجسم حجري لملك حميري على جدران معبد في ظفار يريم التي أصبحت عاصمة لليمن بعد مأرب إثر سيطرة الحميريينتولى الحكم بعد شمر عدد من الملوك واختلف الباحثون في ترتيبهم إلى أن ظهر ملك حميري يدعى “أب كرب أسعد” وهو أسعد الكامل في كتب الإخباريين الذين أضافوا في سيرته الشي الكثير. وبغض النظر عن صحة ماأضافوه إلا أن ورود اسمه عندهم رغم الفترة الزمنية الكبيرة بين عصره وعصرهم دليل على أهمية هذا الملك وورد في مسند الإمام أبي حنيفة النعمان أنه أول من ضرب الدينار تولى الحكم عام 378 ميلادية وهو الذي أضاف لقب عبارة “أعربهم طودم وتهامة” أي “أعرابهم في المرتفعات والتهائم” فأصبح اللقب الملكي عند الحميريين ” ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعربهم طودم وتهامة”  وعثر على اسمه مدونا بخط المسند في موضع يقال له “مأسل الجمح” وهو في محافظة الدوادمي السعودية  اسمه موجود في حصن “مأسل الجمح” في المحافظة المذكورة أنفا وإضافة اسم الأعراب كان لشعور هذا الملك الحميري بأهميتهم وبالذات بني كندة الوارد اسمهم بجانب اسمه وقد بني الحصن ليكون موقعا لقوات حميرية تحمي القوافل الخارجة من اليمن والعائدة إليه وهو موقع مهم يصل اليمن بنجد وشرق الجزيرة العربية  ونص النقش يقول : أبكرب أسعد وبنهو حسن يهأمن ملكي سبأ وذي ريدن وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم وتهمت بن حسن ملك كرب يهامن ملك سبا وذي ريدن وحضرموت ويمنت. وترجمته :” أب أكرب أسعد وإبنه حسان يهأمن ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت واليمن وأعرابهم في المرتفات والتهائهم إبنا حسان ملك كرب يهأمن ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت واليمن” وفي النص دلالة أن “أسعد الكامل” كان يحكم مناصفة هو وأخيه ابنا ملك سبأ حسان ملك كرب يهأمن وأشير إلى أنهما غزا هذه الأرض بجمع من مأرب وحضرموت و”مقتوى” (ضباط) وجمع من صغار الناس من قبيلتي علة من مذحج وسود وهي من نهد وعاش هذا الملك فترة طويلة فهو تولى الحكم قرابة 378 للميلاد إلى جانب والده حينها ويبدو أنه كان لايزال شابا يافعا وتوفي عام 430 ميلادية أو بعدها بقليل فتكون مدة حكمه قرابة الخمسين عاما. وكان ملكا قويا ولذلك كثر ذكره ولم تنساه الذاكرة العربية فقد ذكر الطبري أنه نزل الأنبار ووصل الصين وهي مبالغة بلا شك ولكنها انعكاس للأثر الذي تركه ذلك الملك  وقالوا أنه من أوصى القبيلة الخرافية المدعوة جرهم ولاية الكعبة والاهتمام بها  وكل هذه الموضوعات هي للإيحاء بأن مكة ومقدسات قريش كانت مقدسة عند الحميريين كذلك.

توفي أبو كرب أسعد أو أسعد الكامل وتولى الحكم بعده ملوك اختلف الباحثون في ترتيبهم وذكرهم بعض أهل الأخبار. وصل إلى الحكم ملك حميري يدعى “شرحب إيل يعفر” (شرحبيل يعفر) وورد نص في عهده يشير إلى تصدع كبير أصاب سد مأرب مما جعل الملك يستعين بعشرين ألف عامل لقص الأحجار من الجبال وبناء أبواب ومنافذ جديدة لخروج الماء وصرف معاشات للعمال الذين قاموا بهذا الفعل في شهر “ذو ثبتن” من عام 525 في التقويم الحميري الموافقة لعام 450 ميلادية  وكان لذلك أثر سئ على كثير من القبائل التي تركت مواطنها خوفا من الموت  وللأسف لم يخبر النص عن أسماء هذه القبائل وفيه دليل على وجود أصل تأريخي للروايات العديدة التي يرويها الأخباريون عن تهدم سد مأرب وتفرق سبأ ولكن لايمكن الاعتماد على الكتابات كليا لما يشوبها من الخرافة والأساطير وإن كان بعضها مشوبا بقليل من الحقيقة على رأي إدورد جلازر  ورد اسم ملك يدعى “عبد كلل” ولا شك أنه “عبد كلال” الموجود في كتابات الإخباريين ولايعرف أكان ملكا بالفعل أم زعيم قبيلة ثارت على الحميريين وكان مسيحيا وعكس كتابات الإخباريين التي جعلت مدة حكمه تزيد عن الستين سنة فحكمه أو تمرده لم يزد على خمس سنين على رأي فلبي ويبدو أن المستشرق جون فيلبي أو عبدلله كما سمى نفسه كان يحاول الربط بين روايات الإخباريين و”عبد كلال” هذا فلايوجد نص صريح يشير إلى أنه كان مسيحيا أو “على دين عيسى” كما يروق لأهل الأخبار توصيف مسيحيي اليمن  ولايمكن الأخذ برواياتهم عن كونه ثائر ومضطهد لكونه مسيحي بسبب وجود المسيحية في اليمن آنذاك ولفظة “كرشتس” ابن الرحمن اليماني كانت تزين أسماء الملوك في هذه الفترة  وورود اسم المسيح كإبن تفنيد لروايات أهل الأخبار أن المسيحيين في اليمن كانوا موحدين متبعين لمذهب التوحيد في الإسلام ولم يكونوا على مايعتبرونه هم “دين عيسى”.

استمر حكم الحميريين بشكل مطلق وتعاقب على الملك ملوك مثل “شرحبيل يكف” و”مرثد ألن” و”معد يكرب يعفر” وهناك اختلافات بين الباحثين في ترتيبهم وأعدادهم إلى أن الإجماع أن سقوط حمير كان في عهد الملك اليهودي الذي كلفت حملاته الكثير من الأرواح، الملك يوسف آزار أو ذو النواس الحميري كما عرف في كتب التراث والتاريخ العربية عام 525 ميلادية.

ذو النواس الحِميَّري ومحرقة المسيحيين يوسف أسأر كانت اليمن في أيام الحميريين تجمع الكثير من الديانات منهم من بقي على الوثنية وكان للمسيحيين وجود وكانوا ملوكا على حمير بلإضافة لوجود يهودي قوي فاليهود إن لم يكونوا ملوكا فإن بعض الأشراف وأقيال القبائل كان يهوديا بلا شك. مثل النص الذي دونه شخص يدعى “شِهر” :”تبرك سم رحمن ذو سمين ويسرائيل وإلهمو رب يهود ذي حرض بدهمو شهرم” وترجمة النص :” تبارك اسم رحمن صاحب السماء إله إسرائيل رب يهود الذي ساعد عبده شِهر”

وورد نص يشير إلى استقلال القبائل نماء روح العصبية والتحزب القبلي التي لاتعرف مصلحة سوى مصلحة القبيلة. فورد عن حروب بين كندة ومذحج وأرحب و”ثعلبن” (وقد تكون ثعلبن هذه هي المقصود بها دوس ثعلبان الواردة في كتب الإخباريين ومضر  في عهد ملك يدعى “معد يكرب يعفر يرجع الباحثون تاريخ النص المسندي إلى سنة 516 للميلاد  ذكر أهل الأخبار أن ملكا يدعى “لخيعة ينوف ذو شناتر” كان قبل ذو نواس ولم تكتشف كتابة بخط المسند تشير إلى ذلك ولا إلى “ذو نواس” بهذا الاسم. فقد ورد اسمه بصيغة “يوسف أسأر” أو “يوسف آزار”  لاتوجد إنجازات في عهد يوسف وكل الوارد عنه تحامله على المسيحيين فقد كان ملكا محاربا وقاسيا ولم يبدي شفقة أو تساهل اتجاه أعداء حِميّر. بل أورد السريان قصة أنه أرسل وفدا إلى الحيرة يطلب من ملكها الإقتداء به وقتله المسيحيين في العراق كون المناذرة حلفاء للفرس الذين كانت لهم علاقات جيدة بالحميريين وعداوة وإقتتال مع الرومان  وهناك اعتقاد أن الرسالة ملفقة وتعكس أحقاداً مسيحية على اليهود

ورد اسم يوسف بدون لقب ملكي طويل مكتفيا بلقب “ملك يوسف أسأر” فقد كان أقيال القبائل ينافسونه السلطان وإستغل الأكسوميين هذا الوضع وأعلنوا دعمهم للمسيحيين في نجران وشن يوسف أسأر حملات على مراكز المسيحيين وإستطاع أن يجمع جمعا من القبائل كانت فروعاً من كل من خولان وكندة ومذحج وهمدان وبضعة بيوت وأقيال من حمير وتحديدا من بيت “ذو يزأن” ومنهم الملك شبه الأسطوري سيف بن ذي يزن بلا شك

 
رسم أرثوذكسي لأسقف نجران الذي قتله ذو نواس عام 524 ترأس زعماء بيوت حميرية رؤوس جيش ذو نواس ذكرت أسماء بعض منهم:

“شرح إيل ذو يزأن” (شراحيل ذو يزأن) ممايعني أنه كان قيلا على بيت ذو يزن الحميري.
“شرحب إيل (شرحبيل) يكمل”
“شميفع أشوع”
شرح إيل (شراحيل) يقبل
شرحب إيل (شرحبيل) يكمل
شرحبيل أسعد
معاوية بن والعة
نعمة بن مالك
تميم يزيد رئيس بيت “لحيعة ذي جدن”
 
الملك جستنيان الأولشنت القَبائل الموالية ليوسف حملات على القبائل والأقيال المسيحيين المناوئين له والمعاونين للأحباش في مشهد يوضح مدى تردي الأوضاع في اليمن وتنامي روح القبيلة التي لاتعرف إلا مصلحتها ولو على حساب استقلال وطنها من عنصر أجنبي غريب. حاول يوسف الحفاظ على استقلالية بلاده ووحدة قبائله وبلغ ذلك منه أنزل والقبائل التي تبعته خسائر ومجازر بالمسيحيين والأحباش في ظفار يريم حيث قتل ما يقارب ثلاثة عشر ألف منهم وهدم “قلسن” وكلمة قلسن أو القليس تعني كنيسة بلسان الحميريين وسحق قبائل الأشاعرة المعاونة للأحباش ثم توجه إلى نجران وقتل هناك ما يقارب إحدى عشر ألف قتيل وهدم الكنيسة المتواجدة هناك ولم يكتشف حتى اللحظة كتابة مسندية تشير إلى حريق باستثناء كتابات السريان والبيزنطة وهي كتابات وإن غلب عليها التعاطف مع المسيحيين إلا أنها تحكي مايدعم الوارد في نقوش عن قسوة يوسف أزار وأفعاله بحق المسيحيين  فقد ذكر شمعون الأرشمي أنه كتب الوقائع إستنادا على روايات شهود عيان رأوا الحميريين يجمعون النساء والأطفال والرهبان في كنيسة نجران وأحرقوا الكنيسة بمن فيها النصان المكتشفان اللذان يشيران ليوسف لم يشيرا إلى مجازر في مأرب وحضرموت. ذكر النص مجازر في ظفار يريم والمخا ونجران المصادر التي تشير إلى مجازر في مأرب وحضرموت هي مصادر سريانية وبيزنطية

 
حصن ماريةوقد يكون للوارد في كتب أهل الأخبار صحة لورود اسم “دوس ثعلبن” في عداد القبائل المعادية لذو نواس وقد أورد أهل الأخبار أن رجلا منهم ذهب إلى ملك بيزنطة طلبا للنجدة  أمد الملك البيزنطي جستنيان الأول كما ورد في كتاب المؤرخ بروكوبيوس المسيحيين بأسطول دخل اليمن عن طريق ساحلها الغربي وقتل ذو نواس في المعارك عام 525 – 527 وبذلك وضع المؤرخون نهاية مملكة حمير  أصبحت المناطق الغربية لجنوب شبه الجزيرة العربية مملكة تابعة لروما وعليها حميري يدعى شميفع أشوع سمى نفسه ملك سبأ. بعد مقتل يوسف، استقرت الأمور في السواحل الجنوبية الغربية للجزيرة وإستقل زعماء القبائل بإقطاعياتهم ومخالفيهم ولا بوادر أنهم خضعوا لشميفع أشوع أو أعترفوا به ملكاً عليهم وكان أشوع وأنصاره متحصنين في حصن مارية القديم بذمار. قام أحد زعماء القبائل المقربين من البيزنطة والمدعو “قيس” وكان كندياً من أقارب الحارث بن عمرو الكندي أو “آريثاس” كما ذكره البيزنطة بقتل أحد أقرباء شميفع أشوع ومع ذلك لم يثأر شميفع لقريبه وإنصاغ لشفاعة الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول بتعيين “قيس” أو “كايسوس” على قبيلة معد لحجم الدين الذي قدمه البيزنطة بتخليص مسيحيي جنوب الجزيرة العربية من يوسف أسأر الحِميّري  بالإضافة إلى حقيقة أن البيزنطيين أرادوا استغلال نفوذ حِميَّر على كندة والتي كانت هي بدورها مسيطرة على أجزاء واسعة من شبه الجزيرة لقتال الفرس  سقوط حِميّر أدى إلى استقلالية القبائل ولكن لم تكن القبائل مستفيدة فقد ضعفت مملكة كندة كثيراً وتأثرت بهذا السقوط

ذكر المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس أن عدداً من الجيش البيزنطي ـ الأكسومي :”آثر البقاء في أرض الحميريين لإنها جيدة جدا ” على حد تعبيره ولم يريدوا مغادرة اليمنأحد هولاء كان أبرهة الأشرم أو “أبراهموس” (إبراهيم) الذي قام بقتل شميفع أشوع وأعلن نفسه ملكاً “بسم كرشتس وروحن قدس” (بسم المسيح والروح القدس). مقتل شميفع قاد لتمرد معد في فتوجه بنفسه لأراضيهم وأخذ أبنائهم ونسائهم رهائن مقابل الولاء  وإنتهزت قبائل أخرى مقتل شميفع لتعلن تمردها فقاد رجلان اسمهما “بشر بن حصن” و”أبو الجبر بن عمرو” حملة على مكان اسمه “تربة” قرب الطائف وكان الرجلان من كندة  ودونت كتابة بخط المسند تذكر عدد القتلى والغنائم والأسرى والأطفال الذين أخذهم من سكان الطائف مقابل الولاء

كانت القبائل منقسمة وإستغل الأشرم الانقسام لصالحه وبالفعل فقد خرج زعيم من كندة يدعى “يزيد بن كبشت” في نصوص المسند (يزيد بن كبشة) ومعه ابن شميفع أشوع وأقيال من “مرثد بن بكل” (بكيل) و”ذو يزأن” (بيت ذو يزن) و”ذي معاهر” و”ذو خليل” لقتل أبرهة إلا أن أقيال حضرموت وهمدان و”ذو رعين” (يافع) و”أشعرن” (الأشاعرة) وعدد من القبائل قاتلوا سيد كندة ولاحظ الباحثون غياب أي ظواهر ولاء للوطن واستعداد القبائل للوقوف بصف الغريب طالما إقتضت المصالح  فالقبائل لا تعرف وطناً ولا قومية إلا قومية القبيلة وبقيت تلك المشكلة عالقة إلى اليوم حول مفهوم القبائل في اليمن للوطن ومدى قدرتهم على الإيمان بالجنس أو القومية الوطنية الجامعة فوق القبيلة

إستمر الإقتتال لفترة حتى وصل لأسماع المتقاتلين “أصوات البكاء” عن تصدع هو الثالث وقبل الأخير أصاب سد مأرب كما يقرأ من النص المسندي الذي يعود لعام 542 ميلادية فتوصلوا لهدنة لإعادة ترميم السد وكان آخر ترميم يجرى عليه  نسبوا إلى أبرهة هذا قصة بعد الإسلام لم يرد عنها نص مدون بخط المسند ولا كتابات البيزنطيين ولا أي حضارة مجاورة عاصرت هذه الفترة وحاكوا حوله قصصا وأساطير كثيرة كعادتهم إزاء أي شخصية تاريخية أثرت عليهم  اخترعوا له قصة عن طير تخرج من البحر أصابته ولم يحفل أي شخص في العالم بتدوين ذلك. ومعد التي ورد ذكرها وإن تحول إلى جد مزعوم في كتابات أهل الأخبار، هو حلف لقبائل عديدة يجمع شملها هذا الإسم

لاتوجد كتابة تشير يشير إلى الحقبة الفارسية في اليمن فتاريخ البلاد يكاد يكون مجهولا خلال هذه الفترة سوى ماتوارد عن كتابات بيزنطية بسيطة عن عن سيطرة الفرس على عدن وبضعة أساطير عربية دونت في العصر العباسي لا ترقى بإن تُسمى تاريخاً ولكنها تعطي لمحة عن هذا التاريخ. ودخل اليمن عصرا من الانحطاط قبيل الإسلام مما مكن مكة بأن تصبح مركزا تجاريا مهما بل ربما الأهم في الجزيرة العربية لبعدها عن مراكز الصراع  حكم الحميريين كاذواء فلا سلطة حقيقية تذكر لهم خلال هذه الفترة إلا على قبائلهم ويقول صاحب المفصل :” أستطيع أن أقول إن حكم الفرس كان حكمًا شكليًّا، مقتصرًا على بعض المواضع، أما الحكم الواقعي فكان للأقيال. ولا عبرة لما نقرأه في الموارد الإسلامية من استيلاء الفرس على اليمن، لأن هذه الموارد تناقض نفسها حين تذكر أسماء الأقيال الذين كانوا يحكمون مقاطعات واسعة في أيام حكم الفرس لليمن، وكان منهم من لقب نفسه بلقب ملك، وكان له القول والفعل في أرضه، ولا سلطان للعامل الفارسي عليه” وتمت المبالغة في تصوير حكم أكسوم وفارس لتصوير الإسلام على أنه جالب الحرية والاستقلال للعرب فكما يقرأ من التاريخ لمتناقض في كتابات أهل الأخبار، قبيلة واحدة من قبائل اليمن (مذحج) إستطاعت طرد الفرس دون عناء بقيادة الأسود العنسي إستفرد أحد الساتراب بالحكم في العام 598 ميلادية ودخل أحد هولاء إلى الإسلام حتى طردهم الأسود العنسي وأعلن نفسه نبيا وملكا على اليمن وقتله مسلمون يمنيون وأحد بقايا الفرس المدعو فيروز الديلمي وفقا لمصادر متأخرة عن هذه الأحداث.

ممالك صغيرةكان النظام في العربية الجنوبية شبه فيدرالي إذ كانت القوة في يد أربع ممالك رئيسية (قبل حمير) وهي سبأ وحضرموت وقتبان ومعين ويندرج تحت هذه الممالك ممالك صغيرة يشار إليها بألفاظ تدل على تبعيتهم لإله المملكة الكبرى. من هذه الممالك مملكة سمعي وهي مملكة صغيرة وأساس وأصل قبائل همدان وكانت تحت اللواء السبئي طيلة وجودها. ومملكة هرم وإنابة ونشق ورعين والمعافر ونشأن وهي ليست ممالك مؤثرة بل صغيرة وإن جمع بعض من طقوسها التعبدية وآلهتها. وكان هناك ممالك أخرى أكبر من المذكورة آنفا وأكثر أهمية مثل ممالك كندة وديدان ونجران وأهمية هذه الممالك تكمن في تأمين الطريق التجارية وربط اليمن بالأسواق التجارية في العراق وفارس واليونان ومصر وروما وغيرها من المحطات التجارية المهمة.

مملكة أوسان مملكة أوسانعرفت هذه المملكة باسم “أوسن” وتواجدت جنوب مملكة قتبان دمرها كرب إيل وتر وبقيت مملكة صغيرة تابعة في غالب تاريخها وكانوا من أبناء الإله ودوجدت الكثير من التماثيل المصنوعة من الذهب منقوش تحتها أسماء الملوك ولكن يظهر أنها تعرضت لكسر وقد يكون لحملة سبأ عليها سبب في ذلك إذ دمر السبئيون قصرهم الملكي وأمر كرب إيل وتر بإزالة كل النقوش وتدمير الكتابات عنها كما ورد في “كتابة صرواح” التي دونها هذا الملك في القرن السابع ق.م. ويبدو أنهم كانوا مملكة قوية في بداياتهم إذ جاء في كتابات اليونان أنهم كانوا يسيطرون على ساحل زنجبار في أفريقيا  ولم يكونوا ليتجاوزوا الساحل الغربي لليمن لشرق أفريقيا لو لم يكونوا مملكة قوية ولها سيطرة محكمة على مناطق واسعة من العربية الجنوبية. إلا أن أطماعها في التوسع انتهت بعد قضاء السبئيين عليها.

مملكة دمتبقايا معبد المقه في شمال إثيوبيا قرب أكسوم التي بناها السبئيين القادمين من اليمن في القرن الثامن ق.م وهو أقدم شاهد على حضارة قديمة في تلك البلاد
هي مملكة صغيرة قامت في شمال أثيوبيا في القرن الثامن ق.م والكتابات عنها قليلة للغاية ودونت بخط المسند وهي أقدم الممالك بشواهد أركيولوجية في أثيوبيا  لايعرف الكثير عن هذه المملكة وهناك اعتقاد أنها مملكة قامت من قبل السكان الأصليين لتلك المناطق بتأثير سبئي والبعض يعتقد أن مؤسسيها كانوا سبئيين قدموا من اليمن وإختلطوا بسكان تلك المناطق وباختلاف الآراء إلا أن التأثير السبئي واضح بالكاد يمكن الكتابة عنها وعن تاريخها أي شي. وليس من المعروف ماإذا كانت هذه المملكة مرحلة سابقة لمملكة أكسوم أم أنها إحدى الممالك الصغيرة التي سيطر عليها هولاء الأكسوميين فتاريخ إثيوبيا شبه مظلم قبل مملكة أكسوم التي قامت في القرن الأول للميلاد ولايوجد لها ذكر قبل ذلك فالتاريخ الإثيوبي بدأ بقدوم السبئيين وإحتكاكهم بالكوشيين فهناك اعتقاد أن سكان المناطق الشمالية لإثيوبيا هم نتاج هذا التزاوج ويظهر اختلاف ملامح بعض المجموعات الإثنية وطباعها عن مناطق أخرى في أفريقيا وأثيوبيا جليا

مملكة جبانهي مملكة تابعة لقتبان وصل ذكرها عند اليونانيين ويبدو أنهم كانوا أشراف وتجار كبار في المملكة القتبانية إذ ذكر اليونان أنهم كانوا محتكرين لتجارة اللبان وتبعد مدينتهم “نجية” حوالي 148 ميل عن غزة

مملكة نجرانعلى الرغم من كثرة ذكر نجران في نصوص عربية جنوبية مختلفة فإن علم الباحثين عنها قليل للغاية. كانت مطمعا للسبئيين والحميريين وتعرضت للغزو والإحراق مرار من باب إخضاعها وهي دلالة على أهمية موقعها كمحطة للقوافل. وذكرها ملك المناذرة باسم “مدينة شمر” ويقصد شمر يهرعش وورد في نص اتجاه قوات منها نحو “نباطو” (مملكة الأنباط) وانتهت بإنتصار هذه القوات للأسف لايعرف الكثير عنها رغم كثرة ذكرها في نصوص سبئية وقد تقود الاكتشافات في منطقة نجران لاكتشاف تاريخ هذه المنطقة وكل مايوجد في كتابات الإخباريين عنها أن قصة الأصحاب الأخدود وقعت بها وأن سكانها من المسيحيين باهلوا النبي محمد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق